يستقبل الشرق الأوسط أسبوعاً جديداً وهو يترنّح على حافة تحوّل استراتيجي بنيوي، تتداخل فيه جبهات الاستنزاف العسكري مع قنوات الدبلوماسية الخلفية، وتقترب فيه الحسابات الإقليمية من لحظة الاصطدام بالتوازنات الدولية بصورة هي الأعنف منذ سنوات. ولم تُشكل أحداث الأسبوع الفائت مجرّد سياقات أمنية منفصلة، بل تجلّت كحلقة مترابطة في عملية إعادة هندسة جيوسياسية لخرائط النفوذ وموازين القوى في المنطقة، مدفوعةً برياح التحوّلات العالمية المتسارعة وتآكل النظام الدولي أحادي القطبية، حيث يتصاعد بالتوازي التنافس الجيو - اقتصادي والتكنولوجي المحموم بين واشنطن وبكين، في وقتٍ تُواصل فيه حرب الاستنزاف الروسية - الأوكرانية قضم القدرات العسكرية والاقتصادية للمنظومة الأوروبية دون أفق لمنظومة أمنية…
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط الأوراق السياسية بين واشنطن وتل أبيب، في خطوة تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية لتلامس أدوات الضغط المباشر. وجاء ذلك عبر نشره المتعمّد لتقرير إعلامي يسلّط الضوء على حجم النفوذ الأميركي، وقدرة واشنطن على توجيه المشهد الحزبي الداخلي في إسرائيل، بل والتحكم في المستقبل الانتخابي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هذه الخطوة لم تُصنَّف، في الإعلام الدبلوماسي، كمجرّد مشاركة عابرة لخبر صحافي، بل كرسالة استراتيجية ثقيلة الوزن، تُلوّح بها الإدارة الأميركية لفرض مقارباتها بشأن الملفات الإقليمية الساخنة، وسط تباين متزايد في الرؤى بين الحليفين. وقد أثار هذا التقرير، الذي تحدّث عن قدرة واشنطن على هندسة التوازنات السياسية…
تتجاوز التلال مجرّد كونها مرتفعات جغرافية، لتتحوّل في كثير من الأحيان إلى عقدة جيو-استراتيجية تكشف حدود القوّة العسكرية، مهما بلغت إمكاناتها التكنولوجية والنارية. هكذا كان مرتفع «عليّ الطاهر» في جنوب لبنان، وهكذا بقي، حاملاً في تفاصيله دلالات الصراع المستمر، ومقدّماً نموذجاً لموقع عسكري يفرض شروطه على المخططين العسكريين والسياسيين على حد سواء. نظرت إسرائيل، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى هذا المرتفع باعتباره نقطة ارتكاز حاكمة وعيناً رصدية تشرف على الجنوب وتتحكم بمساراته الحيوية. ولم تدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية آنذاك أن السيطرة على الجغرافيا لا تعني بالضرورة امتلاك التاريخ، وأن احتلال الأرض لا يكفي لإخضاع إرادة الشعوب وتطويع تطلعاتها نحو الحرية.…