قراءة في رسالة مرشد الثورة الإسلامية بمناسبة «اليوم الوطني للخليج الفارسي»

هندسة الخطاب الصراعي: من السيولة اللغوية إلى التثبيت الميداني

الملخص

تتناول هذه الورقة تحليل رسالة مرشد الثورة الإسلامية، الإمام مجتبى الخامنئي، بمناسبة «اليوم الوطني للخليج الفارسي» في 30 نيسان 2026، في ضوء «نظرية الأنماط السبعة في هندسة الخطاب الصراعي». تهدف الدراسة إلى بيان كيف يتحول الخطاب السياسي من مجرد ردّ فعل إلى نص تأسيسي يعيد تعريف قواعد الصراع، ويقترح آليات جديدة لإدارة الممرات المائية الحيوية.

وتعتمد الورقة على منهجية تجمع بين التفكيك البورديوي، والتحويل النحوي التشومسكي، وإعادة الترميز السوسيري، وقابلية التكذيب البوبرية. وتخلص الدراسة إلى أن الرسالة تمثل نموذجاً متقدماً لنمط «المهندس»، حيث تنتقل من هدم المسلمات المهيمنة إلى تأسيس نظام إقليمي جديد، وتعلن قطيعة زمنية مع عصر الهيمنة الأجنبية.

الكلمات المفتاحية: هندسة الخطاب الصراعي، الأنماط السبعة، الخليج الفارسي، مضيق هرمز، قابلية التكذيب، التحويل النحوي المعكوس، الإمام الخامنئي.

تمهيد: الخطاب التأسيسي في لحظة التحوّل الجيوسياسي

تأتي رسالة مرشد الثورة الإسلامية في إيران، الإمام الخامنئي، بمناسبة «اليوم الوطني للخليج الفارسي» في 30 نيسان 2026، في سياق إقليمي بالغ الحساسية؛ فهي تتقاطع مع معطيات ميدانية مفصلية أعقبت جولة عسكرية مكثفة من «الحرب المفروضة الثالثة» بين 28 شباط و12 نيسان 2026، وانهيار المسار التفاوضي في «إسلام آباد»، وفشل سياسات الحصار البحري.

في هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع الرسالة بوصفها خطاب تهنئة رمزياً، بل باعتبارها نصاً تأسيسياً يعيد صياغة فهم الصراع، ويقترح قواعد اشتباك جديدة لإدارة مضيق هرمز. إننا أمام عملية «إنتاج رؤية» تُقرأ بفاعلية من خلال «نظرية الأنماط السبعة في هندسة الخطاب الصراعي»، وهي نظرية تصنّف الأداء الخطابي في الصراعات إلى سبعة أنماط تتصاعد من «الهارب» إلى «المهندس»، مروراً بـ«الأسير» و«الطبال» و«المحايد» و«المناور» و«المخترق»، وتُعنى بكشف البنى العميقة للخطاب السياسي وكيفية إعادة تشكيله للواقع.

أولاً: دلالة المناسبة – التاريخ بوصفه مصدراً للسيادة

يرتبط هذا التاريخ بحدث مفصلي عام 1622، حين أنهت الدولة الصفوية الوجود البرتغالي في مضيق هرمز. واستدعاء هذا الحدث ليس مجرد استحضار تاريخي محايد، بل هو فعل تأصيلي يربط الحاضر بسلسلة ممتدة من نضال السيادة ضد الهيمنة الخارجية.

وفق مقاربة نعوم تشومسكي، نلمس تمييزاً حاسماً بين:

  • البنية السطحية: الاحتفال بمناسبة وطنية وحضارية.
  • البنية العميقة: تأكيد أن السيادة الإيرانية على الممر المائي ليست مجرد ادعاء سياسي عابر، بل هي امتداد لنضال تاريخي يحوّل الانسحاب الأجنبي من خيار تكتيكي إلى حتمية تاريخية.

ثانياً: تحليل الخطاب وفق نظرية الأنماط السبعة

1. آلية التفكيك: هدم المسلمات المهيمنة

ينطلق الخطاب من هدم ثلاث مسلمات مركزية في السردية الغربية:

تفنيد وهم الاستقرار: تفكيك مقولة إن الوجود الأميركي عامل أمن؛ فالرسالة تؤكد أن القواعد الأجنبية هي المصدر الفعلي للاضطراب، بل إنها عجزت ميدانياً عن حماية نفسها.

قلب دلالة التهديد: إعادة صياغة موقع إيران من «مصدر تهديد للملاحة» إلى «فاعل مقاوم للهيمنة»، استناداً إلى وقائع «الستين يوماً» الأخيرة.

تفكيك الشرعية التقليدية: الفصل بين «الحكّام» الصامتين و«الشعوب» اليقظة، مما يفكك احتكار الأنظمة للقرار الإقليمي.

2. آلية إعادة الترميز: تحويل الدلالات

يعمد الخطاب إلى تحويل الجغرافيا من مادة جامدة إلى هوية حضارية:

  • «الخليج الفارسي»: يتحول من مساحة مائية إلى «نعمة إلهية» وهوية سياسية.
  • مضيق هرمز: يُعاد تقديمه بوصفه «ثروة استراتيجية» تخضع لقواعد إدارة جديدة.
  • القدرات الردعية، النووية والصاروخية: يُعاد ترميزها بوصفها «ثروة وطنية» للحماية والرفاه، لا أدوات تهديد.

3. التحويل النحوي المعكوس: ربط اللغة بالنتائج الميدانية

تُعدّ هذه الآلية المحرّك التكتيكي الذي ينقل الخطاب من حيّز «التوصيف» إلى حيّز «التغيير البنيوي». إنها عملية إعادة توزيع الأدوار النحوية، أي الفاعل والمفعول به والظرف، بناءً على معطيات الحرب الأخيرة:

  • إزاحة الفاعل الأجنبي: في السردية الغربية، كان الوجود الأميركي هو «الفاعل» الحامي. أما في هذه الرسالة، فقد أُعيد فعل «عدم الاستقرار» إلى هذا الوجود، وتحولت القواعد العسكرية ميدانياً إلى «مفعول به» عاجز أمام ضربات المقاومة.
  • إحلال الشعوب: أزاح الخطاب «الحكّام» من موقع «الفاعل الشرعي» إلى خانة «المفعول به» المتسم بالخضوع، مصعّداً «شعوب المنطقة» لتكون هي «الفاعل» المرتبط بـ«المصير الواحد».

4. التأسيس العملي: من اللغة إلى البرنامج

لا يقف النص عند حدود الوصف، بل يطرح ملامح برنامج عملي: طرد الوجود العسكري الأجنبي، وتطبيق «القواعد الجديدة» لإدارة المضيق، وتدشين نظام إقليمي ودولي جديد يحقق الرفاه لجميع شعوب المنطقة.

5. المشروعية المتجاوزة واختبار قابلية التكذيب

تكتسب الرسالة شرعيتها من خضوعها لمنطق قابلية التكذيب عند كارل بوبر. فبما أن القواعد الأميركية فشلت ميدانياً في اختبار «تأمين نفسها» خلال الحرب الأخيرة، فإن النظرية التي قامت عليها شرعية وجودها قد سقطت إبستمولوجياً وميدانياً. في المقابل، طرحت الرسالة «القواعد الجديدة» كفرضية بديلة، مدعومة بـ«برهان القوة» الذي صمد أمام الاختبار في مياه الخليج.

ثالثاً: تصنيف الخطاب – من «الاختراق» إلى «الهندسة»

يتجاوز الخطاب نمط «المخترق»، الذي يكتفي بفضح تناقضات الخصم وإعادة تعريف الدالات، ليبلغ ذروة نمط «المهندس»؛ فهو لا يهدم السردية المقابلة فحسب، بل يقترح بديلاً متكاملاً يعيد بناء ساحة الفعل الإقليمي عبر:

  • القطيعة الزمنية: اعتبار ما قبل حرب 2026 تاريخاً بائداً، وما بعدها زمناً تأسيسياً.
  • تجاوز منطق الصراع الصفري: تقديم «القواعد الجديدة» خياراً وحيداً لتحقيق أمن الجميع، لا على حساب أحد.

خلاصة: رسالة تؤسس لنظام إقليمي جديد

إن رسالة الإمام الخامنئي بمناسبة «اليوم الوطني للخليج الفارسي» هي نموذج متكامل لـ«الخطاب الهندسي التأسيسي». لقد تحوّل النص إلى «مسطرة قياس» لواقع جديد؛ حيث «الفاعل» هو من يمتلك القدرة على حماية الممر، و«المفعول به» هو من ينتظر القواعد الجديدة ليعرف موقعه في الخريطة الدولية المقبلة.

إنها عملية مستمرة لإعادة هندسة المعنى والسلطة معاً، تخرج فيها إيران بوصفها مهندساً رئيسياً للأمن والازدهار، معلنةً نهاية حقبة «الخضوع» وبداية عصر «المصير الواحد».

مقالات الكاتب

د.عاطف الموسوي

المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.