في لبنان يسير كلُّ شيء بخلافِ الطبيعة ومنطقِ الأشياء؛ ففي الوقت الذي ترسم فيه الدول سياستها الداخلية والخارجية وفق مصالحها، من خلال قراءةٍ رصينة لديناميكيات البيئة الداخلية والخارجية، وتتشارك فيه المؤسسات وتتعاون لصيانة الاستقرار وتحقيق رؤية الدولة، يتبدّى أن لبنان يسير بعكس هذا المنطق. إذ ثمّة تداخل بين سياسة الدولة بصفتها الكيان الشرعي الذي يعبّر عن المصلحة الوطنية، وبين سياسة أقطاب وأحزاب تقارب الأمور وفق تشعّبات وعلاقات تتجاوز الدولة ومنطقها. ما يحدث من حولنا يعطي مؤشرات واضحة لمسار التحوّلات في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الأمر الذي أعاد رسم خطوط التوازنات الإقليمية والدولية.…
توقّفت أوساط سياسية عند الشكوى التي تقدّم بها النائب زياد الحواط ضد المحامي وديع عقل، معتبرة أنّها ليست سوى محاولة للالتفاف على الأسئلة السياسية التي وُجّهت إليه خلال الأسابيع الماضية. وتشير هذه الأوساط إلى أنّ عقل، وردّاً على خطوة الحواط، اعتبر أنّ المشكلة لا تكمن في «من ينتقد»، بل في نائبٍ «لا يواكب السياسة الحديثة، ولا يريد أن يعمل لمصلحة ناخبي جبيل، ولا يقبل بالمحاسبة، وحين يُحاسب… يتشكى». وفي السياق نفسه، تساءلت الأوساط عن الأسباب التي تدفع الحواط إلى اللجوء المتكرر للقضاء عند أي انتقاد، بدل أن يقدّم كشف حساب واضحاً حول أدائه التشريعي والإنمائي. فجبيل، رغم كل الوعود،…
ليس سؤالًا عابرًا ذاك الذي يسأل: من هم الراسخون في العلم؟ أهم أولئك الذين حصّنوا أنفسهم خلف أسوار المتون والحواشي، واستغرقوا أعمارهم في ضبط الفتوى وتكرار ما قاله السلف، أم هم الذين وسّعوا أفق الإنسان، وغامروا بعقولهم في المجهول، فاخترعوا، واكتشفوا، وأنقذوا أرواحًا من الهلاك؟ في الخطاب الديني التقليدي، تُختصر عبارة "الراسخين في العلم" غالبًا في طائفة من الفقهاء والمتكلمين، كأنما العلم حكرٌ على فقه الطهارة والدماء والميراث، وكأن الرسوخ لا يُنال إلا بحفظ الآراء وتكرار الأقوال. لكن لنتأمل القرآن ذاته: "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك..." [النساء: 162] ما الرسوخ…