من خرائط الصهيونية الأولى إلى حروب اليوم: لماذا يعود اسم الليطاني كلما اشتعل جنوب لبنان؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

يكشف التعمّق في الوثائق التاريخية المبكرة للحركة الصهيونية أنّ الصراع على جنوب لبنان لم يكن مجرّد نتاجٍ للتطوّرات الأمنية والعسكرية المعاصرة، بل يمتدّ بجذوره إلى مرحلة تأسيس المشروع الصهيوني نفسه. فمنذ البدايات الأولى، لم يكن الجدل يدور فقط حول إقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، وإنما أيضاً حول الحدود الجغرافية التي ينبغي أن يقوم عليها هذا الكيان، وحدود موارده الاستراتيجية، وفي مقدّمتها المياه.

ففي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانعقاد مؤتمر باريس للسلام عام 1919 لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، قدّم «حاييم وايزمان»، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك، تصوّراً للحدود التي رأت الحركة الصهيونية أنّها ضرورية لنجاح مشروعها السياسي والاقتصادي. ولم تتوقّف تلك الحدود عند فلسطين التاريخية كما كانت معروفة آنذاك، بل امتدّت شمالاً لتشمل مناطق من جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني، حيث انطلق هذا التصوّر من مفهوم «القابلية للحياة الاقتصادية» للمشروع الصهيوني، الذي ربط استيعاب الهجرات الكثيفة بالسيطرة على ما عُرف بـ«المثلث المائي الشمالي»، الذي يضمّ نهر الليطاني ومنابع نهر الأردن واليرموك.

ولم يكن اختيار نهر الليطاني اعتباطياً أو رمزياً، بل ارتبط برؤية استراتيجية رأت أنّ بقاء أي دولة مستقبلية يحتاج إلى موارد مائية كافية تسمح بـ«الهندسة الديموغرافية» المطلوبة لاستيعاب موجات الاستيطان، وتوفير مقوّمات النمو الاقتصادي والزراعي ضمن إطار «الجيوسياسية المائية».

وعلاوةً على البعد المائي، استند هذا الخيار إلى عقيدة «الحدود الآمنة والطبيعية»، إذ رأى الفكر الصهيوني المبكر في النهر خندقاً مائياً طبيعياً، وفي الجغرافيا المحيطة تضاريسَ تمنح الكيان الناشئ «عمقاً استراتيجياً» كان يفتقر إليه في خاصرته الشمالية الضعيفة. ولهذا السبب، ظهرت في المراسلات والمذكّرات الإسرائيلية القديمة إشارات متكرّرة إلى أهمية نهر الليطاني والجليل الأعلى ومنابع نهر الأردن، باعتبارها أجزاء مترابطة ضمن معادلة الأمن القومي والعسكري والمائي.

وقد شارك دافيد بن غوريون، الذي أصبح لاحقاً أول رئيس وزراء لـ«إسرائيل»، في تلك المرحلة التأسيسية التي شهدت نقاشاتٍ مكثّفة حول الحدود المطلوبة. وعلى الرغم من أنّ القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لم تستجب للمطالب الصهيونية المتعلّقة بضمّ جنوب لبنان، فإنّ تلك الطروحات بقيت جزءاً من «المجال الحيوي» الحاضر في الأدبيات والنقاشات الاستراتيجية الإسرائيلية. ولم تتوقّف هذه الطروحات عند حدود النقاشات النظرية، بل تُرجمت في خمسينيات القرن الماضي إلى خطط عملية كشفتها لاحقاً الوثائق التاريخية ومذكّرات رئيس الوزراء الأسبق «موشيه شاريت» عام 1954، عبر السعي إلى استغلال الهشاشة السياسية في لبنان لإيجاد «حزام جيوسياسي عازل» في الجنوب، يضمن السيطرة على المياه ويحقّق اختراقاً أمنياً متقدّماً.

ومع قيام «دولة إسرائيل» عام 1948، لم ينتهِ الجدل حول مخطّط حدودها، فقد شهدت العقود اللاحقة سلسلة من الحروب والتوتّرات الإقليمية التي أعادت باستمرار طرح مسألة الأمن الحدودي. ففي شهر آذار عام 1978، اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان في عملية عسكرية كبيرة سُمّيت بـ«عملية الليطاني»، وهو اسم يحمل بحدّ ذاته دلالة رمزية على الأهمية التي اكتسبها هذا النهر في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. ثم جاء الاجتياح الأوسع عام 1982 تحت اسم عملية «سلامة الجليل»، ليؤسّس لوجود عسكري طويل الأمد اعتمد على استراتيجية «الحرب بالوكالة»، وتحويل المنطقة الممتدّة من الحدود حتى شمالي نهر الليطاني إلى «منطقة عازلة» جُرّدت عملياً من السيادة اللبنانية، واستمرّ هذا الوضع حتى عام 2000.

ومن منظور استراتيجي بحت، يصعب فصل الاعتبارات الأمنية عن الحسابات الجغرافية. فإسرائيل لطالما برّرت عملياتها العسكرية في لبنان بالحاجة إلى إبعاد التهديدات عن حدودها الشمالية، لكنّ الواقع أنّ البعد الأمني تداخل تاريخياً مع اعتبارات أخرى مرتبطة بالسيطرة على المرتفعات والموارد المائية، وخلق أحزمة عازلة تمنح عمقاً استراتيجياً لما سُمّي بالدولة العبرية.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية اليوم، في ظل التصريحات المتكرّرة التي صدرت عن سياسيين ومفكّرين إسرائيليين عبر العقود حول مستقبل الحدود. وفي الصراع المعاصر، تحوّل التوظيف الإسرائيلي لنهر الليطاني من طموح «الضمّ الجغرافي والمائي الصريح» إلى محاولة فرض «معادلة ردع جيوسياسية وأمنية جديدة»، ترتكز على السعي إلى تفريغ المنطقة الواقعة جنوب النهر من أي قدرات عسكرية أو حضور ديموغرافي مُهدِّد. وفي هذا السياق، يستحضر منتقدو هذه السياسات الوثائق التاريخية المبكرة والمشاريع الحدودية التي طُرحت خلال مرحلة التأسيس، باعتبارها دليلاً على وجود رؤية أوسع لم تنقطع بالكامل عن الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي، بل يُعاد إنتاج «عقيدة الليطاني» التأسيسية بأدواتٍ تناسب توازنات القوى الراهنة.

ومن هنا، فإنّ السؤال الرئيسي اليوم لا يتعلّق فقط بأهداف أي عملية عسكرية آنية في جنوب لبنان، بل بطبيعة العلاقة بين الأمن والجغرافيا في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي منذ أكثر من قرن. فحين تتكرّر الإشارة إلى نهر الليطاني في الوثائق التأسيسية، ثم يعود النهر نفسه ليظهر في الحسابات العسكرية والسياسية خلال مراحل مختلفة من الصراع، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة أنّ الجغرافيا لم تكن يوماً مجرّد خلفية للأحداث، بل كانت في كثير من الأحيان أحد المحرّكات الأساسية لها.

وعليه، فإنّ فهم ما يجري في جنوب لبنان يتطلّب قراءة تتجاوز الأحداث اليومية والتطوّرات الميدانية المباشرة، لتعود إلى الجذور الفكرية والاستراتيجية التي رافقت نشوء المشروع الصهيوني منذ بداياته. فالتاريخ في الشرق الأوسط لا يختفي، بل يعاود الظهور بأشكال مختلفة كلّما تبدّلت الظروف وتغيّرت موازين القوى، ما يجعل دراسة الوثائق التأسيسية والنقاشات المبكرة أمراً ضرورياً لفهم المخاوف والهواجس التي لا تزال تحكم جزءاً كبيراً من هذا الصراع.

ومن هنا، يتبدّى وجوب تنبّه الحكومة اللبنانية الشديد، وتيقّظها المستمر لهذه الأطماع الاستراتيجية والمائية التي يزيد عمرها على مئة عام، والتعامل مع الجنوب كقضية وجود سيادي مرغوبة ومستهدفة منذ بدايات تأسيس المشروع الصهيوني.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.