كيف تحوّلت الهند إلى عمق استراتيجي للترسانة الإسرائيلية؟

لا تكتفي الهند اليوم بشراء السلاح من إسرائيل، بل بدأت تُصنّع جزءاً من العتاد الذي تستخدمه إسرائيل نفسها في جبهات القتال. وفي هذا التحوّل البنيوي تكمن القصة الأهم في العلاقات العسكرية بين البلدين؛ فالشراكة التي بدأت قبل عقود بصفقات سرية فرضتها الحروب والأزمات تنتقل اليوم إلى مستوى أكثر عمقاً، تصبح فيه نيودلهي جزءاً حيوياً من القاعدة الصناعية والتكنولوجية التي تستند إليها تل أبيب في بناء قوتها العسكرية وتأمينها.

وتجسّد المحادثات الجارية بين شركة «رافائيل» الإسرائيلية وشركات دفاعية هندية، لإنشاء خط إنتاج مشترك لصواريخ «تامير»، قفزة استراتيجية لمصلحة البلدين. فالصاروخ، الذي يمثّل العمود الفقري لمنظومة «القبة الحديدية»، قد يُنتج قريباً خارج إسرائيل، ضمن مشروع يحقّق معادلة أمنية متبادلة، قوامها أن تحصل نيودلهي على التكنولوجيا المتقدمة والخبرة العملياتية، فيما تؤمّن تل أبيب لنفسها «عمقاً تصنيعياً آمناً» وخط إمداد احتياطياً لا يتأثر بالضغوط الجغرافية أو التهديدات الصاروخية المباشرة التي قد تواجهها مصانعها محلياً في أوقات الحروب الممتدة.

لكن صواريخ «تامير» ليست سوى ذروة جبل الجليد في مسار تشكّل تدريجياً في الظل. فخلال الحرب الهندية–الصينية عام 1962، وجدت نيودلهي نفسها مضطرة إلى طلب السلاح الإسرائيلي بصورة عاجلة، رغم خطابها السياسي الملتزم بقضايا العالم الثالث ودعمها للفلسطينيين. وتكرّر هذا التعاون البراغماتي خلال الحروب الهندية–الباكستانية، ما رسّخ صورة إسرائيل داخل المؤسسة العسكرية الهندية بوصفها «مورّداً في وقت الضيق»، لا يتردد في تلبية الاحتياجات العسكرية عندما تتلكأ قنوات الإمداد التقليدية أو تتعطل بفعل الحسابات الدبلوماسية.

ومع انتهاء الحرب الباردة، وتحديداً بعد «حرب كارجيل» عام 1999 بين الهند وباكستان في إقليم كشمير، خرج هذا التحالف إلى العلن، بالتزامن مع تطوير منظومات دفاعية مشتركة، مثل «باراك 8». إلا أن التحوّل الجذري الأكبر حدث مع صعود رئيس الوزراء ناريندرا مودي عام 2014، حين التقت الرغبة الإسرائيلية في التوسع التكنولوجي مع رؤية مودي الطموحة لمبادرة «صُنع في الهند».

وهنا دخلت الجغرافيا السياسية الدولية على خط هذه الشراكة؛ فالطموح الهندي إلى تقليص الاعتماد التاريخي الكبير على السلاح الروسي، الذي كشفت حرب أوكرانيا تعقيدات سلاسل إمداده، وجد في التكنولوجيا الإسرائيلية بديلاً مناسباً وبطاقة رابحة في مسار تحوّل الهند إلى مركز عالمي للتصنيع والتصدير.

وقد حوّل هذا المسار الهند من مجرد سوق استهلاكية ضخمة إلى شريك فاعل في سلاسل التوريد الحرجة الخاصة بالمسيّرات، مثل «هرميس 900»، وقذائف المدفعية بمختلف أنواعها. وفي ظل الحرب الحالية على غزة والمواجهات الإقليمية المتصاعدة، باتت هذه الشراكة العابرة للحدود تثير إشكاليات سياسية وأخلاقية معقّدة؛ إذ تلاشت الحدود الفاصلة بين بلد المنشأ وبلد الاستخدام، وتحولت الشركات الهندية الخاصة إلى جهات فاعلة جيوسياسياً تُغذّي آلة الحرب الإسرائيلية، في وقت تحاول فيه الدبلوماسية الهندية الحفاظ على توازن دقيق يحمي مصالحها وعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج العربي والشرق الأوسط.

إن ما يجري خلف الأبواب المغلقة للمصانع العسكرية في حيدر آباد وبنغالور يتجاوز الصفقات التجارية التقليدية، ليصبّ في صلب خريطة العالم الجديدة. فالهند وإسرائيل، من خلال اندماجهما الصناعي، تضعان اللبنات العسكرية لمشروعات الربط الكبرى، مثل «ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا» (India–Middle East–Europe Economic Corridor – IMEC)، حيث تلتقي المصالح الأمنية بحركة التجارة الدولية.

وعليه، لم يعد السؤال الجوهري اليوم: «ماذا تشتري الهند من إسرائيل؟»، بل أصبح: «ماذا باتت الهند تؤمّنه لإسرائيل لضمان استمرارية قوتها العسكرية؟». إنها شبكة استراتيجية معقّدة تتداخل فيها المصانع مع الاستخبارات، ورؤوس الأموال مع التكنولوجيا المتقدمة، لتصبح الهند، بوتيرة متسارعة، العمق الصناعي الأكثر حسماً للقوة العسكرية الإسرائيلية في القرن الحادي والعشرين.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.