حرب بلا نهاية… هل غرقت الاستراتيجية في رمال «اللاحسم»؟

في الحروب الكبرى، لا تُكتب الحقيقة بوقع الأقدام على الأرض فحسب، بل في ثنايا “الرواية” التي تُنسج حولها. ما نشهده اليوم ليس مجرد صدام عسكري، بل هو حالة من الضياع الاستراتيجي؛ غياب كامل لأي أفق زمني، وانعدام للرؤية التي تشرح لنا: كيف ستنتهي هذه المحرقة؟

بخلاف الحروب التقليدية التي تتبع خطاً بيانياً يمكن التنبؤ بنهايته، تبدو هذه الحرب “ثقباً أسود” يبتلع التوقعات ويترك الأبواب مشرعة على احتمالات مخيفة.

سقف الأهداف العالي… والارتطام بالواقع

حين أطلق “دونالد ترامب” شرارة الأهداف الكبرى، كان الخطاب يوحي بحسم وشيك: شلّ أركان النظام الإيراني، أو إرغامه على تغيير جذري في الخط السياسي، وربما اقتلاعه من جذوره. لكن، ومع انقشاع غبار معارك ودخولها الأسبوع الثالث، نجد أن هذه الطموحات لم تبرح مكانها في أروقة التصريحات.

هنا تبرز المعضلة التاريخية: في صراع الإرادات، حين يعجز المهاجم عن فرض مشيئته الكاملة، فإن مجرد “بقاء” المدافع يتحول – بمرور الوقت – إلى انتصار معنوي ومادي يحرج القوة العظمى.

عقيدة “النفس الطويل”: الصمود كأداة للردع

لا تبحث طهران عن “نصر استعراضي” ترفع فيه الأعلام فوق العواصم، بل تتبنى استراتيجية “البقاء المؤلم”. هي معادلة بسيطة في ظاهرها، معقدة في تنفيذها:

  1. البقاء: أي منع انهيار الهيكل الأساسي للدولة رغم الضربات، وهذا ما هو حاصل لغاية اليوم.
  2. الإيلام: رفع فاتورة الحرب على الخصم إلى حدٍّ يجعل الاستمرار فيها عبئاً لا يُطاق. من خلال:
    – الاحتفاظ بـ “مخالب” صاروخية موجهة نحو العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة،
    – ⁠القدرة في الإمساك بورقة مضيق هرمز وأثره على اقتصاديات العالم.
    وبذلك تفرض إيران واقعاً يقول: “لا يوجد حسم مجاني”. هذا الردع هو الذي حوّل الحرب من “نزهة عسكرية” إلى مستنقع استنزاف.

فخ “نيتناهو” وحسابات ترامب المعقدة

تتسرب من أروقة واشنطن (وتحديداً منصة “أكسيوس”) نبرة قلق متصاعدة. ثمة شعور بأن الإدارة الأمريكية قد انزلقت إلى “فخ” لم تحسب عواقبه بدقة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت هذه الحرب قراراً أمريكياً خالصاً، أم “دَفعة” إسرائيلية؟

المراقبون يشيرون بإصبع الاتهام إلى رؤية “بنيامين نتنياهو”، الذي لطالما دفع باتجاه المواجهة المباشرة. وإذا كانت واشنطن قد استجابت لهذا الدفع، فهي اليوم تجد نفسها في مواجهة خصم لم يستسلم بـ “الصدمة والترويع”، بل استعد لسيناريو “حرب طويلة بلا أفق زمني”.

التفوق التكنولوجي كـ “مُسكّن” سياسي: الاغتيالات والهروب إلى الأمام

أمام العجز عن تحقيق حسم عسكري شامل، وظفت واشنطن وتل أبيب تفوقهما التكنولوجي في سلسلة الاغتيالات. من استهداف القمة الهرمية — المرشد الأعلى في الساعات الأولى للحرب— وصولاً لشخصيات بحجم علي لاريجاني، تبدو هذه العمليات مذهلة تقنياً، لكنها تطرح تساؤلاً وجودياً: هل يربح الاغتيال حرباً؟

الحقيقة أن هذه العمليات تعمل كـ “بديل دعائي” عن النصر المفقود؛ فهي تمنح الجمهور “صورة نصر” فورية لامتصاص الغضب الداخلي، و⁠تغطي على غياب الاستراتيجية الكبرى للخروج من الحرب، كما توحي بالسيطرة، بينما تظل الجبهات الأساسية مشتعلة دون تغيير حقيقي.

المنطقة على فوهة بركان

الثمن لا تدفعه العواصم المنخرطة في الصراع وحدها، بل الجغرافيا بأكملها. دول الخليج تجد أمنها (الطاقة – ومحطات تحلية المياه) في مهب الريح، ومضيق هرمز تحول من ممر تجاري إلى “خناق” سياسي، بينما الاقتصاد العالمي يرتجف مع كل تصعيد. فالمنطقة اليوم تعيد تشكيل نفسها وسط حريق لا يملك أحد مفاتيح إطفائه.

خلاصة القول، النصر لمن لا يسقط أولاً… في حروب الاستنزاف، تسقط التعريفات التقليدية للربح والخسارة. فالسؤال الجوهري ليس “من دمر أكثر؟”، بل “من صمد أطول؟”.

حتى اللحظة، يبدو أن من راهن على الحسم السريع يغرق في التفاصيل والكلف العالية، بينما الطرف الذي اتخذ من “الصمود” عقيدة، لا يزال يمسك بأوراق اللعبة. المفارقة المُرة هي أنه، وفي هذه الغابة السياسية، قد يكون مجرد “عدم الخسارة” هو أقصى درجات الانتصار الممكنة… لحد الساعة…

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.