في تطوّر لافت، يطرح الناشط السياسي المعارض البيلاروسي سيرجي تيخانوفسكي رؤية مثيرة بشأن مستقبل بيلاروسيا، متخيّلًا أن تتحوّل إلى “فنلندا جديدة” في سياق العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية. وتأتي هذه الفكرة في لحظة حسّاسة تمرّ فيها بيلاروسيا بأزمة سياسية خانقة، إذ دعت المعارضةُ البيلاروسية سفيتلانا تيخانوفسكايا الاتحادَ الأوروبي إلى تبنّي استراتيجية جديدة تتسم بالضغط المستمر على بيلاروسيا “حتى تبدأ في السير نحو الديمقراطية”. ويأتي هذا الطرح في ظلّ القمع المتواصل الذي يمارسه النظام البيلاروسي بقيادة ألكسندر لوكاشينكو، الذي حافظ على سلطته عبر قمع المعارضة وشنّ حملة عنيفة ضد المتظاهرين السلميين منذ بداية الاحتجاجات في عام 2020.
دور الاتحاد الأوروبي في النزاعات الإقليمية
في هذا السياق، يبرز الاتحاد الأوروبي كلاعب رئيسي في تحولات المنطقة، ولا سيما في علاقاته مع دول أذربيجان وبيلاروسيا وأرمينيا. وعلى الرغم من التوترات السياسية المستمرة مع بيلاروسيا بسبب الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، يواصل الاتحاد الأوروبي تكثيف الضغط على نظام لوكاشينكو في محاولة لدفعه نحو التحوّل الديمقراطي. وتجسّد هذه الجهود جملةُ القرارات الصادرة عن البرلمان الأوروبي أخيرًا، والتي رفضت الاعتراف بلوكاشينكو رئيسًا شرعيًا لبيلاروسيا، رغم الدعم الروسي المتواصل له. وفي هذا الإطار، تدعو سفيتلانا تيخانوفسكايا، المعارِضة البيلاروسية البارزة، إلى تكثيف الضغط على النظام الحاكم، معتبرةً أن هذا الضغط هو السبيل الوحيد لتقريب بيلاروسيا من الديمقراطية.
لكن، وعلى الرغم من هذه الجهود، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا كبيرًا يتمثل في كيفية موازنة علاقاته مع أذربيجان وأرمينيا في بيئة إقليمية بالغة التعقيد. ففي حين يسعى الاتحاد إلى دعم جهود السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وهي قضية جيوسياسية حسّاسة بسبب الصراع الطويل حول ناغورنو كاراباخ، فإن علاقاته مع أذربيجان تبقى نقطة خلاف، ولا سيما في مجال مشاريع الطاقة والنقل، حيث يُعدّ هذا البلد محطة استراتيجية في سياسة الاتحاد المتعلقة بمصادر الطاقة، وهي سياسة ازدادت أهميتها في ظلّ التوترات المستمرة مع روسيا.
أذربيجان تتحول إلى مركز لوجستي عالمي
من جهة أخرى، تُظهر أذربيجان تطورًا لافتًا في مجال النقل والتجارة العالمية، وذلك عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إلهام علييف إلى أستانا، حيث حظي باستقبال حافل من قبل الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف. وقد تمحورت المفاوضات بين الجانبين حول تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والنقل والرقمنة، في انعكاس واضح لمكانة أذربيجان المتنامية كمركز لوجستي عالمي يربط أوروبا بآسيا. ويأتي هذا التوجه الاستراتيجي منسجمًا مع المشاريع الكبرى التي تروّج لها باكو، مثل ممر النقل الدولي عبر بحر قزوين (TRACECA) والممر الأوسط، بما يعزز دورها المحوري في تسهيل حركة التجارة الدولية.
وتشمل المشاريع المشتركة مع كازاخستان خطّ الاتصالات البحرية بالألياف الضوئية بين أكتاو وسومغايت، الممتد على مسافة 380 كيلومترًا عبر قاع بحر قزوين. ومن المتوقع أن يسهم هذا المشروع في تحسين خدمات الإنترنت وفتح مسار جديد لحركة البيانات بين أوروبا والصين، بما يعزز موقع أذربيجان كمركز حيوي للتجارة العالمية. ومن المخطط أن تنطلق الأعمال التنفيذية للمشروع بحلول عام 2026. كما أعلنت الدولتان عن مشروع آخر لا يقل أهمية، يتمثل في مدّ كابل طاقة بحري يربط أنظمة الطاقة في كازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان بهدف تصدير الطاقة الخضراء إلى أوروبا، على أن يدخل المشروع حيز التنفيذ في الربع الثاني من عام 2026.
ويمثل هذا التطور تعزيزًا إضافيًا لمكانة أذربيجان كلاعب رئيسي في تأمين مصادر الطاقة البديلة وتصديرها إلى أوروبا، في وقت بات فيه تنويع مصادر الطاقة ضرورة ملحّة في ظل الأزمات الجيوسياسية العالمية المتلاحقة.
الضغط الداخلي في أرمينيا
أما في أرمينيا، فبعد التوصل إلى اتفاق السلام مع أذربيجان عام 2020، بدأت الحكومة الأرمينية تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة. وقد تصاعد هذا الضغط على المعارضة، ولا سيما القوى الكنسية التي تبدي استياءً متناميًا من رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الذي يواجه انتقادات واسعة على خلفية سياساته تجاه أذربيجان وتنازلاته في إطار اتفاق السلام. وفي هذا السياق، جاء اعتقال فاردان غوكاسيان، عمدة مدينة غيومري، ثاني أكبر مدن البلاد، بتهم فساد، ليشكّل ضربة قوية للمعارضة الأرمينية.
ورغم هذه التحديات، يواصل باشينيان تعزيز سلطته، مستمرًا في إقصاء خصومه السياسيين سواء داخل الحزب الحاكم أو في صفوف المعارضة. ويواجه الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار تحديًا مزدوجًا: فمن جهة يسعى إلى دعم استقرار أرمينيا في ظل ظروفها الداخلية المعقّدة، ومن جهة أخرى يعمل على تعزيز جهود تسوية النزاع بين أرمينيا وأذربيجان عبر الوساطة والمشاريع المشتركة.
أذربيجان وبيلاروسيا: التوازن في العلاقات الجيوسياسية
فيما يخص العلاقات بين أذربيجان وبيلاروسيا، ثمة تعاون طويل الأمد بين البلدين في عدة مجالات، ولا سيما في مجالي الطاقة والنقل. إلا أنّ أذربيجان تواجه ضغوطًا من بيلاروسيا على خلفية التوترات السياسية في أوروبا الشرقية. ففي السنوات الأخيرة، قدّمت بيلاروسيا دعمًا واضحًا لروسيا في النزاعات الإقليمية، ما دفع بعض دول أوروبا الشرقية، ومن بينها أذربيجان، إلى البحث عن بدائل تتيح لها الحفاظ على استقرارها الإقليمي. وتبدو علاقة أذربيجان مع بيلاروسيا محورية ضمن الإطار الجيوسياسي الذي يجمعهما بروسيا. غير أنّ أذربيجان، في الوقت ذاته، تواصل تعزيز مكانتها كمركز لوجستي عالمي مستفيدًا من موقعها الاستراتيجي في آسيا الوسطى. وقد يؤدي هذا التوجه إلى بعض الاحتكاك بين الجانبين في حال تعاظم دور أذربيجان اللوجستي بصورة أكثر فعالية.
التوجهات السياسية في بيلاروسيا
في هذا السياق، ومع استمرار حالة القمع في بيلاروسيا، يواصل سيرغي تيخانوفسكي وزوجته سفيتلانا تيخانوفسكايا التركيز على دعم التحركات الديموقراطية في البلاد. وقد دُعيت تيخانوفسكايا لإلقاء كلمة أمام البرلمان الأوروبي، حيث أشارت إلى حاجة بيلاروسيا إلى تغيير جذري يشمل التحول إلى دولة محايدة، مؤكدة أهمية هذا الخيار في ظل «الحروب الباردة» السياسية بين الشرق والغرب. كما شددت على ضرورة أن يمارس الاتحاد الأوروبي مزيدًا من الضغط على النظام البيلاروسي لدفعه نحو مسار ديموقراطي.
في المقابل، قدّم البرلمان الأوروبي دعمًا رمزيًا، من دون أن يترافق ذلك مع تعهدات واضحة باتخاذ إجراءات عملية حاسمة لدعم هذه الرؤية. ويُظهر هذا الدعم الرمزي محدودية قدرة التأثير الأوروبي على النظام الحاكم في بيلاروسيا، في ظل استمرار الهيمنة الروسية على كثير من مجريات الأحداث في المنطقة.
إذن، تتداخل الأزمات السياسية في بيلاروسيا وأذربيجان وأرمينيا مع التوجهات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، حيث تتراوح الخيارات بين التحول الديموقراطي والصراعات الإقليمية. وفي هذا الإطار، يسعى الاتحاد الأوروبي جاهدًا إلى تحقيق توازن دقيق بين تعزيز استقراره الداخلي وبين دعمه للمشاريع السياسية والاقتصادية في المنطقة. فمن جهة، يواجه الاتحاد تحديات في كيفية التعامل مع الأنظمة الاستبدادية في بيلاروسيا، حيث يمارس الضغط من أجل تحقيق إصلاحات ديموقراطية، في وقت يضطر فيه إلى مراعاة موازين القوى مع روسيا. ومن جهة أخرى، تبقى أذربيجان وأرمينيا في قلب التعقيدات التي تحكم علاقة الشرق بالغرب، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز استقرار المنطقة عبر تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري مع أذربيجان، والعمل في الوقت نفسه على حل النزاعات مع أرمينيا ضمن ظروف شديدة التعقيد.
ختامًا، ستظل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول الشرق خاضعة لتقلبات السياسة الدولية، فيما سيستمر الاتحاد في محاولة التوفيق بين مصالحه الاقتصادية والسياسية وقيمه الديموقراطية، الأمر الذي يجعل هذه المنطقة أحد المحاور الأساسية في مستقبل السياسة الأوروبية.
دور الاتحاد الأوروبي في التوازنات الجيوسياسية
في هذا السياق، يظهر الاتحاد الأوروبي كلاعب رئيسي في تحولات المنطقة، ولا سيما في علاقاته مع دول أذربيجان وبيلاروسيا وأرمينيا. وعلى الرغم من التوترات السياسية المستمرة مع بيلاروسيا بسبب الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، يواصل الاتحاد الأوروبي تكثيف الضغط على نظام الرئيس لوكاشينكو في محاولة لدفعه نحو التحول الديمقراطي. ويأتي قرار البرلمان الأوروبي الأخير برفض الاعتراف بلوكاشينكو رئيسًا شرعيًا لبيلاروسيا، إضافة إلى دعوة سفيتلانا تيخانوفسكايا إلى مزيد من الضغط على النظام، في هذا الإطار. ومن خلال هذه السياسة، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إعادة بيلاروسيا إلى دائرة نفوذه، رغم الدعم المستمر الذي تقدمه بيلاروسيا لروسيا.
في المقابل، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا كبيرًا في كيفية موازنة علاقاته مع أذربيجان وأرمينيا. فبينما يسعى الاتحاد إلى دعم جهود السلام بين البلدين، تبقى علاقاته مع أذربيجان نقطة خلاف، خصوصًا في ما يتعلق بمشاريع الطاقة والنقل. إذ تُعد أذربيجان مركزًا استراتيجيًا مهمًا ضمن سياسة الاتحاد الخاصة بتنويع مصادر الطاقة، في ظل التوترات المستمرة مع روسيا وتزايد الحاجة إلى بدائل طاقوية آمنة.
أما في ما يتعلق بأرمينيا، فيتعرض الاتحاد الأوروبي لضغوط من أجل أداء دور أكثر فعالية في الوساطة بين أذربيجان وأرمينيا. ورغم سعي الاتحاد إلى بناء جسور تعاون بين الطرفين، فإن الضغوط الداخلية في أرمينيا—من قضايا سياسية واقتصادية واحتجاجات ضد الحكومة—قد تؤثر في استقرارها السياسي وقدرتها على الانخراط بفعالية في مسار التسوية.
تتداخل الأزمات السياسية في بيلاروسيا وأذربيجان وأرمينيا مع التوجهات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة. وفي هذا السياق، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق توازن دقيق بين تعزيز استقراره الداخلي ودعمه للمشاريع السياسية والاقتصادية في محيطه الشرقي. فمن جهة، يواجه الاتحاد تحديات في كيفية التعامل مع الأنظمة الاستبدادية في بيلاروسيا، حيث يمارس الضغط لتحقيق إصلاحات ديمقراطية، بينما يوازن ذلك مع مفاعيل القوة الروسية. ومن جهة أخرى، تبقى أذربيجان وأرمينيا في قلب التعقيدات التي تحكم العلاقة بين الشرق والغرب، إذ يسعى الاتحاد إلى تعزيز استقرار المنطقة عبر التعاون الاقتصادي مع أذربيجان، والعمل على حل النزاعات مع أرمينيا في ظل ظروف شديدة التعقيد.
ختامًا، ستظل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول الشرق محكومة بتقلبات السياسة الدولية، حيث سيواصل الاتحاد سعيه للتوفيق بين مصالحه الاقتصادية والسياسية وقيمه الديمقراطية، ما يجعل المنطقة نقطة محورية في مستقبل السياسة الأوروبية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
