دستور لبنان… تعديل أم تغيير؟

تحت هذا العنوان، عقدت “هيئة إعداد الدستور” المنبثقة عن  جمعية “صون حق التعبير”، ندوة فِكرية في “مركز دايزي الثقافي” بمنطقة الحدت، بالتعاون مع جمعية “مُشجِّعي الثقافة”.

مساء الجمعة 29 أيار 2026، شارك عددٌ مِنَ المُهتمّين بالشأن العام اللبناني في تلك الندوة، حيث عُرِضَ جدولٌ مفصلٌ يبيّن مِن جهة مثالب دستور لبنان الموضوع سنة 1926، ومثالب اتفاق الطائف الذي لم تكن غاية واضعيه بناء دولة إنّما إيقاف الحرب؛ ومِن جهة ثانية محاسِن دستور لبنان المُرتجى الذي تسعى إليه “هيئة إعداد الدستور” استنادًا إلى مبادئ ومفاهيم عِلم الدَسترة، التي ما زالت غائبة عن مقرّرات العلوم السياسية في لبنان، وفي سائر العالم العربي.

كلمة الترحيب جاءت على لسان رئيس جمعية “مشجعي الثقافة” الأستاذ زهير ضو، عرض خلالها سِلسِلة الأنشطة الثقافية المُزمَع إجراؤها قريبًا.

استهلّ وليد المحبّ كلامه بتلاوة ديباجة الدستور الجديد، على شكل مُقتَرحٍ قابلٍ لِلنقاش والتطوير، وفي ما يلي نصّ الديباجة:

«نحن شعب لبنان، نخاطب أنفسَنا وأجيالَنا القادمة وضميرَ العالم، نهدف إلى تجريم الطائفية السياسية لِنَعيش بصفة مواطنين في دولة المؤسسات والكفاءة. غايتنا وطنٌ بنظامٍ لامركزي يعتمِد مبدأ تفريع السُلطة، لِحفظ كرامة المواطن وتحقيق تطلّعاته. فقد عانى لبنان طويلاً مِنَ التسويف حتى وصل إلى حافّة الزوال مع نظامٍ غير قابلٍ للحياة، لذا نرفضُ تكرار مآسينا أو السماح مُجدّدًا بإيلاء السُلطة لِمُرتَكِبين ومُرتَهَنينَ عديمي الكفاءة، وسَنُحَقِّقُ ذلك بوسائل سِلمِيّة ومبادئ عِلميّة سياسيّة حديثة توفِّرُ لِلجميع مُعادلة رابِح- رابح».

ثمّ فنَّد المحبّ ما تضمّنته الديباجة المقترحة، حيث أشار إلى ما يميّزها عن ديباجة دستور لبنان القديم، لا سيّما لجهة الوضوح وتبيان الرؤية العامة، بما ينمّ عن فَهم عميق للواقع اللبناني، دون الغرق في تعقيداته، إلتزامًا بتعاليم “الإبداع السياسي”. ففي الديباجة تمّ الردّ على أسئلة ضِمنيّة هي: مَن نحن؟ لِمَن نتوجّه؟ ما هو هدفُنا؟ ما هي غايتُنا؟ لِماذا الآن؟ ما الذي نرفضُه؟ كيف نُحَقِّقُ ذلِك؟

ثم أكد المحبّ على حِرص “هيئة إعداد الدستور” لتلقّف كلّ الآراء والاقتراحات بانفِتاح، ووعد بأن تصغي الهيئة الى كلّ ما سيصِلُها عبر الموقع الالكتروني الذي سيتمّ الإعلان عنه قريبًا، ليكون بوتقةً تنصهرُ فيها آراء الأنتليجانسيا اللبنانية الواعية دستوريًّا.

على شاشةٍ عِملاقة، بدأت تظهر المعايير الدستورية تِباعًا؛ كيف كانت في دُستور 1926؟ كيف باتت مع اتِفاق الطائف؟ كيف ستُصبِح في الدُستور العِلمي المُرتَجى؟

مِن خلال ثلاثة عشر معيارٍ دستوريّ، تمّ إجلاء الغموض الذي اعترى نصوص الدستور القديم، وكذلك النُقصان والتناقض. وفي هذا السياق تمّ تبيان:

مَن يخاطِب مَن؟

نحن شعب لبنان نخاطب أنفسَنا وأجيالَنا القادمة وضمير العالم

أي نوعٍ مِنَ الديمقراطية؟

الديمقراطية المباشرة والتشاركية (استبيانات، استفتاءات شعبية، استطلاعات رأي، انتخاب الرئيس مباشرة مِن قِبَلِ الشعب)، الى جانب الديمقراطية التمثيلية (نوّاب وبرلمان)

ماذا عن هوية لبنان القومية؟

لا قومية لِلدولة ولا دِيانة، والعربية لغتها الرسمية

ماذا عن نظام لبنان الإداري؟

نِظام لامركزي بصيغة تفريع السُلطة، وهو الأفضل لِلبنان مِن النظام الفيدرالي، حيث أن الفيدرالية بِحال اعتمادها في لبنان ستتَّخِذ حتمًا طابع الكانتونات الطائفية، وهذا يتعارض مع الإنسانية حيث سيشعر المواطن أنه غريب في كانتون تابع لطائفة مختلفة. عِلمًا بأنّ الدول الراقية التي تعتمد الفيدرالية، تتفاوت فيها الكانتونات على أساس لغوي لا طائفي.

ماذا عن روحية الدستور؟

عيش واحد (عقد مصير لأمة تعيش السكينة)، لا عيش مشترك (عقد هدنة بين أمم تعيش القلق)

ماذا عن التعليم؟

تخصيص باب لِلتعليم وليس فقط مادة وحيدة، واعتبار التعليم حقّ (وليس مُمارسة) تكفله الدولة لجميع المواطنين. ووجوب تضمين المناهِج التربوية رؤية وطنية واضحة، مُعزَّزة بقِيَمٍ حميدة يتميَّز بها لبنان (مثل عَونة العريس والأخوّة بالرضاعة)، مع ربط التعليم باحتياجات سوق العمل الوطني، إضافة الى اهتمام الدولة بمراكز الدراسات والبحوث (جامعات ومؤسسات)، والتعاون معها في عمليّات صنع القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والبيئية والمُرورية.. الخ

ماذا عن الحقوق؟

التنصيص على حقوق الإنسان وصولاً إلى الفئة الرابعة، مع تبيان آليات ضمان تمتع المواطنين بكلّ حق، بما في ذلك الحقوق العصبية، وكذلك التنصيص على مُرونة الدستور لِضمان التمتّع دومًا بالحقّ الجماعي في دستور سليم

ماذا عن القضاء؟

تحفيز القاضي ومساعدته على إرضاء ضميره، لا إرضاء الرئيس كما كان قبل الطائف، ولا إرضاء ثلاث رؤساء كما بعد الطائف. وذلك مِن خلال الاستقلال المالي والإداري للقضاء، ورفع يد السلطة الإجرائية عن القضاة في تسيير أعمالهم، وكذلك في تعيينهم ونقلهم وترقيتهم. فاستقلال القضاء على هذا النحو يضع حدًّا لِلمحاصصة التي لطالما عطّلت مراقبة دستورية القوانين عبر المجلس الدستوري،  والتي لطالما منعت انتخاب المجلس الأعلى للقضاء 100% مِن القضاة. إضافة الى وجوب إلغاء المحاكم الاستثنائية، ومنح حق الطعن بعدم دستورية أي قانون لكلّ مواطن، دون اشتراط 10 نواب.

ماذا عن البيئة؟

دسترة كلّ ما له علاقة بالبيئة تجنّبًا لتبعثر النصوص البيئية، وإنشاء مجلس بيئي يدقِّق بدراسات الأثر البيئي لِلمشاريع، وإنشاء نيابة عامة بيئية.

ماذا عن الحيِّز العامّ؟

التنصيص على الحيِّز العام وسُبل تفعيله، دون إغفال أي جانب يعزِّز التلاقي بين اللبنانيين،

ومِن بين ذلك المواصلات، الدائرة الانتخابية الكبرى، المكتبات والحدائق العامة

ماذا عن خدمة العلم؟

خدمة إلزامية للشباب في المجال المدني، كالإطفاء والإسعاف والإنقاذ وتنظيم المُرور.

ماذا عن الاقتصاد؟

الإبقاء على النظام الليبرالي الحرّ، المرتكز على المبادرة الفردية والملكية الخاصة، لكن مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنقية الإقتصاد مِن مثالبه، وترجمة الشعارات الاقتصادية إلى أفعال، وذلك مِن خلال دسترة الاقتصاد المُنتِج لا الريعي، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة الانهيار الاقتصادي ونهب المال العام ، ووجوب إنصاف المودعين. إضافة إلى التنصيص على مجلس أعلى للمنافسة، وعلى مجلس حماية المستهلك، وإرساء دعائم الإبداع الاقتصادي مثل التمويل بالنمو، وإنشاء جهاز استِشعار الهدر وتعزيزه بحقّ المواطن في الوصول إلى المعلومة

بعد ذلك فُتِحَ باب النقاش مع الحضور، وجاءت الأسئلة على النحو التالي:

س: ما هو موقف “هيئة إعداد الدستور” مِن إنشاء مجلس شيوخ؟

ج: عانى لبنان طويلاً مِنَ الطائفية السياسية وهي عُرف، فهل يُعقَل قبول التنصيص على مجلس شيوخ لتمثيل الطوائف؟ خاصّة وأنّ الغاية منه تطمين الطوائف؟ وإيجاد مؤسّسة لإرضاء طائفة لم تنل نصيبًا في المؤسسات الدستورية الثلاث الأولى؟

يتغنّى مؤيدو تشكيل مجلس الشيوخ في لبنان بأن المجلس المذكور، المتأتي مِن عقلية المكوِّنات لا المواطنة، يمنح حق الفيتو حتى لِلكلدان، بمعنى منح القدرة على التعطيل حتى للأقليات، أي عقلٍ سياسيٍّ هذا؟! نظامُنا السياسي “مكربج” بين مسلم ومسيحي، فأين الحِكمة مِن تكريس التعطيل وزيادة أسبابه؟

س: هل تعتقد بجدوى أي دستور رغم وجود زعماء يرفضون الانصياع إلى أحكامه؟

ج: أدعوكم إلى قراءة “ادعاءات وردود”، وهو الفصل الأخير مِن كتاب “الإنعاش السياسي.. سلة حلول عِلمية لنهوض لبنان”، لكن لا مانع مِنَ الإجابة على هذا السؤال الذي يُطرَح وأجيب عليه باستِمرار.

مِن ثوابت عِلم الدسترة، أنّ لِلدساتير الجيّدة أسنان تعضّ. تعضّ مَن؟ تعضّ كلّ مسؤول تسوِّل له نفسُه انتهاك أي أمر منصوص عليه في الدستور. فالدستور السليم يُنشئ مؤسسات رقابية نشطة لا تخضع لِلتحاصص، تتَّهم وتستدعي وتقيل، أكبر راس في الدولة.

إن مثل تِلك المؤسّسات الرقابية موجودة، لكنها بخضوعها لِمبدأ التحاصص صارت “بلا أسنان”، لا تعضّ.

ثمّ تكلّم المحب عن جدوى الانتقال الدستوري في لبنان، مبيِّنًا أن الدستور السليم يوجِدُ ذاتًا بشرية سليمة، ذلك أن الأخلاق العامة والسلوكيات العامة وكذلك التربية البيتية، تتأثر كلها بمناهج التعليم وبوسائل الإعلام، وتلك الأخيرة تتأثر بمدى سلامة المنظومة القانونية، وهي تحتاج إلى مايسترو، هو الدستور العِلمي والعصري.

وأمام الدرجة العالية مِن الإصغاء والتفاعل الحاصل في قاعة الندوة، كانت الفرصة سانحة للغوص بدرجة أعمق في تبيان مبادئ عِلم الدسترة. فتمّ عرض أهمّ ثلاث مبادئ وهي:

  • السرد الخيالي الإيجابي
  • القضايا المثيرة للشقاق
  • توظيف مخرجات العلوم

بالنسبة للسرد الخيالي، تمّ تبيان رداءة عبارة “عيش مشترك”، وخطورة المادّة التي تفيد بعدم شرعية أي نصّ يُعارض صيغة العيش المُشترك، فهي مادة تفخِّخ العقول لأنّها تذكّر اللبنانيّين بأنّهم مُسلِم مع مَسيحي مع دُرزي مع عَلوي؛ بدلاً مِنَ التأكيد على أنّهم “مواطنين” وليس “أهلين” كما في نصّ الدستور العتيق، وعلى أنهم لبناني مع لبناني مع لبناني.

كما تمّ تبيان السرد الخيالي السلبي الوارد في دستور لبنان العتيق بعبارة “رئيس الجمهورية ضامِن التوازن”، ففي هذه العبارة رسالة ضمنية تقول: “لبنان مقلقز.. ما تهزّني واقف عشوار”. في حين أن دور الدستور هو زرع الطمأنينة العامّة، وتأكيد الثبات والتماسُك.

بالنسبة للقضايا المثيرة للشقاق، فقد تمّ التأكيد على أنَّ لبنان وطن الجميع، وأنَّ الدستور هو مِلكُ جميع اللبنانيين، بغض النظر عن انتمائهم القومي. فالتنصيص على “لبنان عربي الهوية والانتماء”، يثر الشقاق ولو ضِمنًا، والضمني في العقول أخطر مِمّا تبوح به الأفواه والأقلام، بأن الأرمن والكلدان والأكراد والآشور ليسوا لبنانيّين.

بالنسبة لتوظيف مُخرجات العلوم، كانت مناسبة لِلكلام عن ظاهرة FEAC، وهي صفات إذا سادت في المجتمع منعت تقدّمه بحسب عِلم النفس السياسي. وتشير أحرف عبارة FEAC إلى: الإحباط Frustration، العناد Entêtement، القلق Anxiété، الارتباك Confusion.

مِن هنا يمكننا تلمس سبيل تقدّم المجتمع مِن خلال تطوير مناهج التعليم، وتنظيم وسائل الإعلام، حتى تسود في المجتمع صِفات وخِصال مُناقضة لكلّ ذلك، أي الرضا والمرونة والسكينة والانتزان. مِن هنا يمكننا فَهم اقتراح الرئيس الأميركي “أبراهام لينكولن” الذي ابتكر عيد الشكر في أميركا، ليكون قيمة إيجابية تجمع الشعب الأميركي.

في ختام الندوة، سلّم وليد المحب نسخة مِن كتابه “الإنعاش السياسي.. سلة حلول عِلمية لنهوض لبنان” إلى المحامي أ. جوزيف ونّيس، بصفته مؤسس مركز دايزي الثقافي. وبدوره ختم أ. ونّيس الندوة بتوجيه الشكر لِلمشاركين.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.