يمكن القول إن الأزمة الحالية ليست الأولى التي تواجه فيها الدولة اللبنانية معضلة الامتحانات الرسمية في ظل ظروف استثنائية. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 دخل النظام التربوي اللبناني في سلسلة طويلة من الأزمات التي فرضت على وزارة التربية اتخاذ تدابير غير اعتيادية.
في عام 1976، ومع اشتداد الحرب والانقسام الأمني بين المناطق، ألغيت الامتحانات الرسمية بالكامل. وفي عام 1977 أُجريت بعض الامتحانات بصورة جزئية ومحدودة. ثم عادت الأزمة للظهور خلال الثمانينيات، ولا سيما في أعوام 1984 و1985 و1987 و1989، حيث لجأت الدولة إلى الإفادات أو إلى صيغ استثنائية نتيجة تعذر تنظيم الامتحانات بصورة طبيعية في مختلف المناطق اللبنانية.
ومع انتهاء الحرب الأهلية وبدء مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد اتفاق الطائف، ساد اتجاه داخل الإدارة التربوية يعتبر أن استعادة الامتحانات الرسمية بصورة منتظمة تشكل جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها. ومنذ ذلك الحين أصبح إجراء الامتحانات يُنظر إليه بوصفه مؤشراً على انتظام عمل المؤسسات العامة وعلى وحدة المعايير التعليمية في البلاد.
ولم يتوقف الجدل عند مرحلة الحرب الأهلية. ففي عام 2006، خلال حرب تموز، واجه لبنان ظروفاً استثنائية مرتبطة بالنزوح الواسع والدمار الذي أصاب مناطق عديدة، ما فرض تعديلات وإجراءات استثنائية في القطاع التربوي. وفي عام 2020 أدت جائحة كورونا إلى واحدة من أكبر الأزمات التعليمية في تاريخ لبنان الحديث، فتم إلغاء الامتحانات الرسمية ومنح الطلاب إفادات استثنائية، ثم تكررت التداعيات خلال عامي 2021 و2022 بفعل التداخل بين آثار الجائحة والانهيار الاقتصادي والإضرابات المتكررة في القطاع العام.
من هنا يمكن فهم الخلفية الفكرية للجدل الراهن. فالمؤيدون لإجراء الامتحانات يرون أن تكرار الاستثناءات منذ الحرب الأهلية مروراً بحرب تموز وجائحة كورونا والانهيار الاقتصادي أدى إلى ترسيخ ما يسمونه «ثقافة الاستثناءات»، أي الاعتياد على الحلول المؤقتة حتى أصبحت في نظر كثيرين جزءاً طبيعياً من عمل الدولة. أما المعارضون فيعتبرون أن الظروف الاستثنائية المتكررة التي مر بها لبنان تفرض بدورها حلولاً استثنائية، وأن العدالة بين الطلاب يجب أن تتقدم أحياناً على الاعتبارات الشكلية المرتبطة بإجراء الامتحانات.
وهكذا يبدو أن السجال الحالي ليس وليد سنة دراسية واحدة، بل هو امتداد لنقاش تاريخي عمره نصف قرن حول كيفية التوفيق بين استمرارية الدولة من جهة، والاستجابة للظروف الاستثنائية من جهة أخرى.
بهذا المعنى، لم يعد الجدل الدائر حول الامتحانات الرسمية في لبنان مجرد نقاش تربوي يتعلق بالمناهج أو بآليات التقييم، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة سياسية واجتماعية وثقافية تعكس الانقسامات العميقة التي يعيشها المجتمع اللبناني منذ سنوات. فبين إصرار وزارة التربية على إجراء الامتحانات الرسمية مهما بلغت الصعوبات، وبين دعوات متزايدة إلى اعتماد استثناءات تراعي ظروف الحرب والنزوح والتفاوت في فرص التعليم، برز سجال واسع تجاوز حدود المدرسة والجامعة ليطرح أسئلة تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وبمفهوم العدالة، وبقيمة الشهادة الرسمية، وبحدود الاستثناء في زمن الأزمات.
في الظاهر يبدو الخلاف محصوراً بين مؤيد للامتحانات ومعارض لها، لكن التمعّن في النقاش يكشف وجود رؤيتين مختلفتين للدولة وللتعليم وللمستقبل.
ترى وزارة التربية والجهات الداعمة لها أن الامتحانات الرسمية ليست مجرد اختبار أكاديمي، بل هي أحد الرموز القليلة المتبقية لهيبة الدولة واستمرارية مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، فإن إلغاء الامتحانات أو استبدالها بإفادات استثنائية يشكل، في نظرها، خطوة إضافية نحو إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة وبالشهادة اللبنانية نفسها. وتؤكد الوزارة أن الحفاظ على صدقية الشهادة الوطنية يتطلب وجود آلية تقييم موحدة تشمل جميع الطلاب، مهما كانت الظروف صعبة.
في المقابل، ترى الجهات المعارضة أن الظروف الاستثنائية التي عاشها لبنان، ولا سيما المناطق التي تأثرت بالحرب والنزوح والانقطاع المتكرر عن الدراسة، تجعل الحديث عن تكافؤ الفرص أمراً نظرياً أكثر منه واقعياً. فكيف يمكن، بحسب هذا المنطق، إخضاع طلاب عاشوا ظروفاً مختلفة جذرياً لاختبار موحد يفترض تساوي الفرص بينهم؟
غير أن فهم هذا الجدل يتطلب العودة إلى التاريخ اللبناني نفسه.
فخلافاً لما يعتقده كثيرون اليوم، لم تكن الامتحانات الرسمية على امتداد تاريخ لبنان الحديث قاعدة ثابتة لا يمكن المساس بها. خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990 شهد النظام التربوي حالات متعددة من إلغاء الامتحانات أو تعديلها أو استبدالها بإفادات نجاح استثنائية. ففي أعوام عديدة تعذر إجراء الامتحانات نتيجة الانقسام الأمني والجغرافي، فلجأت الدولة إلى حلول بديلة حفاظاً على استمرارية المسار التعليمي للطلاب.
ورغم ذلك، لم يُحرم آلاف الطلاب الذين تخرجوا في تلك السنوات من متابعة دراساتهم الجامعية في الخارج. فقد اعترفت الجامعات العربية والأجنبية بالشهادات والوثائق التي أصدرتها الدولة اللبنانية، سواء كانت نتيجة امتحانات رسمية أو إفادات نجاح استثنائية. وهذا يعني أن الاعتراف الدولي لم يكن مرتبطاً حصراً بوجود امتحان رسمي، بل بشرعية الوثيقة التعليمية التي تصدرها الدولة اللبنانية.
من هنا تبرز نقطة أساسية كثيراً ما يجري تجاهلها في النقاش الحالي. فالتاريخ اللبناني نفسه لا يدعم المقولة القائلة إن العالم سيغلق أبوابه أمام الطلاب اللبنانيين إذا لم تُجرَ الامتحانات الرسمية في سنة معينة. فالجامعات العالمية تعاملت في مراحل سابقة مع أوضاع استثنائية مشابهة، واعترفت بالحلول التي أقرتها الدولة اللبنانية في حينها.
لكن هذا لا يعني أن موقف الوزارة يفتقر إلى المنطق.
فالمدافعون عن الامتحانات يستندون إلى تجربة أخرى من التاريخ اللبناني، وهي تراكم الاستثناءات خلال العقود الماضية. فمنذ الحرب الأهلية مروراً بالأزمات الاقتصادية وصولاً إلى جائحة كورونا والأحداث الأمنية المتكررة، أصبح اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية أمراً مألوفاً. ومن هنا ظهر مفهوم «ثقافة الاستثناءات».
ويقصد بهذا المفهوم تحوّل التدابير المؤقتة والاستثنائية إلى ممارسة دائمة ومتوقعة. فالاستثناء يصبح قاعدة، والقاعدة تتحول إلى استثناء. وفي المجال التربوي يعني ذلك الاعتياد على إلغاء الامتحانات أو تعديل شروط النجاح أو منح الإفادات كلما واجه البلد أزمة جديدة.
ويخشى أصحاب هذا الرأي من أن يؤدي تكرار الاستثناءات إلى إضعاف الثقة بالشهادة اللبنانية وبالنظام التربوي ككل، بحيث يصبح الطلاب والمدارس والرأي العام مقتنعين مسبقاً بأن أي أزمة مستقبلية ستنتهي حتماً بإجراء استثنائي جديد.
وفي قلب هذا السجال التربوي نشأت أبعاد سياسية لا يمكن تجاهلها.
فقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة حملات سياسية وإعلامية واسعة ضد وزيرة التربية، شاركت فيها شخصيات سياسية ونيابية وطلابية مختلفة. وذهب بعض المراقبين إلى اعتبار أن جزءاً من هذه الحملة يرتبط بقوى سياسية معينة، فيما رأى آخرون أن الاعتراض يعكس حالة اجتماعية حقيقية لدى الطلاب والأهالي المتضررين من الظروف الأمنية.
وفي المقابل، انتشرت روايات أخرى تقول إن إصرار الوزارة على إجراء الامتحانات لا يعود فقط إلى اعتبارات تربوية، بل إلى ضغوط أو توصيات خارجية، أو إلى رغبة في المحافظة على الاعتراف الدولي بالشهادة اللبنانية.
غير أن المشكلة الأساسية في هذا النوع من الطروحات تكمن في غياب الأدلة الموثقة. فحتى الآن لم تظهر وثيقة رسمية أو تصريح صادر عن دولة غربية أو منظمة دولية أو جامعة أجنبية يفرض على لبنان إجراء الامتحانات الرسمية أو يربط الاعتراف بالشهادة اللبنانية حصراً بوجود امتحان رسمي في هذه السنة بالذات.
وبالمثل، لم تظهر أدلة علنية تثبت أن جهة سياسية محددة تقود منفردة الحملة ضد الوزارة، رغم وجود اصطفافات سياسية واضحة داخل النقاش.
لذلك يبقى من الضروري التمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات السياسية. فالوقائع تشير إلى وجود خلاف حقيقي حول الامتحانات، وإلى تمسك الوزارة بموقفها، وإلى وجود اعتراضات واسعة من بعض القوى والطلاب والأهالي. أما الحديث عن إدارة خارجية للقرار أو عن قيادة حزبية مباشرة للحملة، فيبقى ضمن دائرة الاستنتاجات السياسية التي لم تُدعَّم حتى الآن بوثائق حاسمة.
إن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن في الامتحانات نفسها، بل في السؤال الأعمق الذي يواجه لبنان منذ عقود: كيف يمكن التوفيق بين استمرارية الدولة من جهة، والعدالة الاجتماعية في الظروف الاستثنائية من جهة أخرى؟
فالوزارة تنطلق من فكرة أن الدولة يجب أن تستمر حتى في أصعب الظروف، وأن الامتحان الرسمي جزء من هذه الاستمرارية. أما المعترضون فينطلقون من فكرة أن العدالة تقتضي الاعتراف بأن الظروف لم تكن متساوية بين جميع الطلاب، وأن المساواة الشكلية قد تتحول في بعض الأحيان إلى ظلم فعلي.
وهكذا يصبح الجدل حول الامتحانات انعكاساً لصراع أوسع بين منطقين: منطق المؤسسة ومنطق الاستثناء، منطق الاستمرارية ومنطق الضرورة، منطق الدولة ومنطق الواقع الاجتماعي.
ومن المرجح أن يبقى هذا الجدل قائماً حتى بعد انتهاء الامتحانات نفسها، لأنه في جوهره ليس خلافاً حول أسئلة الامتحان أو عدد المواد، بل حول معنى الدولة وحدود الاستثناء في لبنان المعاصر.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الامتحانات الرسمية بحد ذاتها، بل في ما تكشفه هذه الأزمة من خلل أعمق في الحياة العامة اللبنانية. فالتجربة التاريخية اللبنانية تُظهر أن الاستثناء كثيراً ما يتحول إلى عرف، وأن التدبير المؤقت يتحول مع مرور الزمن إلى قاعدة ثابتة. وما يبدأ باعتباره حلاً ظرفياً لأزمة محددة ينتهي في كثير من الأحيان جزءاً دائماً من بنية النظام السياسي والإداري.
لقد عاش لبنان لعقود طويلة تحت وطأة أعراف تجاوزت النصوص القانونية، وتسويات حلّت محل المؤسسات، واستثناءات تحولت إلى قواعد حكم. وفي غير مجال، لم يعد القانون هو المرجع الأعلى، بل أصبحت الأعراف والوقائع المفروضة وموازين القوى هي التي تحدد مسار الأمور. ومن هنا تكمن خطورة تحويل كل أزمة تربوية أو اجتماعية أو سياسية إلى مناسبة جديدة لتكريس استثناء إضافي يضاف إلى سلسلة الاستثناءات المتراكمة.
في هذا السياق تحديداً، تبدو حجة وزارة التربية جديرة بالتوقف عندها، سواء اتفق المرء معها بالكامل أم لا. فالدولة التي تعجز باستمرار عن تطبيق قواعدها العامة، وتلجأ في كل منعطف إلى حلول استثنائية، تتحول تدريجياً إلى دولة استثناءات لا دولة مؤسسات. ومن هنا يمكن فهم إصرار الوزارة على إجراء الامتحانات باعتباره دفاعاً عن مبدأ استمرارية المؤسسات بقدر ما هو دفاع عن الشهادة الرسمية نفسها.
أما الجانب الأكثر إثارة للقلق في السجال الدائر، فهو انتقال النقاش من مستوى البحث عن أفضل الحلول للطلاب إلى مستوى التعبئة السياسية والاستثمار الفئوي والشخصي. فقد بدا أحياناً أن بعض الأطراف تتعامل مع الملف باعتباره ساحة مواجهة سياسية أكثر منه قضية تربوية. والمفارقة أن هذا الانزلاق لم يقتصر على القوى التقليدية المعروفة، بل شمل أحياناً شخصيات وجهات ترفع في خطابها شعارات بناء الدولة واستعادة المؤسسات وسيادة القانون وإلغاء منطق السلاح والأمر الواقع، لكنها وجدت نفسها، في هذه القضية تحديداً، تنخرط في منطق التعبئة والغريزة السياسية نفسها التي تنتقدها في ملفات أخرى.
وهنا تبرز المفارقة اللبنانية الكبرى: الجميع يطالب بالدولة عندما تخدم الدولة خياراته، لكن كثيرين يتراجعون عن هذا المطلب عندما تصطدم الدولة بمصالحهم أو بحساباتهم الآنية. ولذلك فإن السجال حول الامتحانات الرسمية يتجاوز حدود التربية والتعليم، ليصبح اختباراً فعلياً لمدى إيمان اللبنانيين أنفسهم بمفهوم الدولة وبحق المؤسسات في اتخاذ قرارات قد تكون صعبة أو غير شعبية.
لعل السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الأزمة ليس ما إذا كان ينبغي إجراء الامتحانات أم لا، بل ما إذا كان لبنان يريد الخروج من منطق الاستثناء الدائم إلى منطق القاعدة العامة، ومن حكم الأعراف والضرورات المؤقتة إلى حكم المؤسسات والقانون. فالدول لا تنهار عادة بسبب أزمة واحدة، بل عندما يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثناء إلى قاعدة، والظرفي إلى بنية ثابتة. وعندها يصبح استرجاع الدولة أصعب بكثير من مجرد تنظيم امتحان رسمي أو إلغائه.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
