في العام الماضي صرخنا: لا مياه… شحّ في المياه!
ضربنا النفير: لا أمطار، والله المستعان. صلّوا صلاة الاستسقاء، وضربوا وقرعوا الأجراس، وناشدوا الرب أن يمنّ علينا بقطرة ماء. قيل لنا إن السماء شحّت، وإن المخزون يتراجع، وإن الطبيعة هي المسؤولة، وإن علينا أن نقتصد في كل قطرة لأن الصيف سيكون قاسيًا.
جاء الشتاء.. وهطلت الأمطار بكميات كبيرة، وتحسّن المخزون المائي مقارنة بأعوام سابقة. قلنا: الحمد لله. لعل الصيف هذه المرة يكون محمولًا. لا صهاريج كل يوم، ولا لهاث خلف قطرة ماء، ولا إذلال للمواطن في واحدة من أكثر بلاد المنطقة غنى تاريخيًا بالينابيع والمياه.
لكن الصدمة وقعت.. فبدل أن تنخفض أعداد الصهاريج، ازدادت. وبدل أن ينخفض سعر الصهريج، ارتفع. وبدل أن تدخل المياه إلى البيوت، أصبح بعض اللبنانيين ينتظرونها كما ينتظر أهل الصحراء قافلة عابرة!
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان سبب الأزمة العام الماضي شحّ الأمطار، فما سببها هذا العام بعد تحسّن المتساقطات؟
تأتيك الإجابة جاهزة، كما تأتي دائمًا الإجابات في لبنان: المضخات، الكهرباء، المحروقات، الكلفة، الأزمات الإقليمية… وربما مضيق هرمز أيضًا!
هرمز أصبح شماعة تصلح لكل شيء
يرتفع سعر المولد: هرمز!
تتعطل المضخة: هرمز!
تنقطع المياه: هرمز!
يرتفع سعر الصهريج: هرمز!!
وكأن مضيق هرمز يمر بين بيروت وطرابلس والكورة وعكار، وكأن ناقلات النفط ترسو مباشرة إلى جانب مضخات مصالح المياه!
لكن ماذا عن المواطن؟
مصالح المياه تطالبه بدفع فاتورته. لا يهم إن كانت المياه تصل إلى بيته يوميًا، أو مرة كل أسبوع، أو مرة في الشهر. الفاتورة تعرف طريقها إليه، أما المياه فضائعة في الطريق.
وهذه وحدها مفارقة تستحق التحقيق: كيف تُجبى فاتورة خدمة لا يحصل عليها المواطن بصورة منتظمة؟
يدفع المواطن لمصلحة المياه ثمن مياه لا تصله، ثم يدفع لصاحب الصهريج ثمن المياه التي كان يفترض أن تصل إليه أصلًا عبر الشبكة العامة. أي أنه يدفع مرتين مقابل حق واحد!
وإذا اعترض، تبدأ المرافعة الطويلة: لا كهرباء لتشغيل المضخات، لا مازوت، الكلفة مرتفعة، الشبكات قديمة، الأعطال كثيرة…
حسنًا.. إذا كانت الدولة تعرف أن الشبكات قديمة، فلماذا لم تُجدَّد؟
وإذا كانت تعرف أن المضخات تحتاج إلى الكهرباء، فلماذا لم تؤمّن لها مصادر طاقة مستقرة؟
وإذا كانت تعلم أن المشكلة مزمنة، فأين ذهبت الأموال والمشاريع والقروض والموازنات التي أُنفقت طوال العقود الماضية؟
شبكة من زمن آخر… وفاتورة من زمننا
وهنا نصل إلى ما لا يريد كثيرون الحديث عنه: شبكات المياه نفسها.
في مناطق لبنانية كثيرة تعود أجزاء من البنية التحتية إلى عقود مضت، وبعضها أُنشئ أو توسع في زمن الرئيس فؤاد شهاب وما تلاه. مرّت حكومات، ووزراء، ونواب، ومجالس إدارة، وموازنات وقروض ومشاريع، وبقي المواطن يسمع العبارة نفسها:”الشبكة قديمة”.
سبحان الله! الدولة تعرف أن الشبكة قديمة عندما تريد تبرير انقطاع المياه، لكنها تنسى قِدمها عندما تريد تحصيل الفاتورة. أما نوعية المياه، فحدّث ولا حرج.
يقولون لك: نضع الكلور لمنع التلوث. جميل.
لكن الكلور ليس عصًا سحرية تصلح شبكة مهترئة، ولا يمنع الصدأ في الأنابيب، ولا يعالج كل أشكال التلوث المحتملة، ولا يضمن وحده سلامة المياه من المصدر حتى خزان المنزل.
ثم تأتي مياه الصهاريج، وهنا تبدأ حكاية أخرى. مرة تصل المياه صفراء؛ ومرة حمراء كأنها خرجت من أنبوب صدئ مهجور؛ وطورًا خضراء ذات رائحة ولون يثيران السؤال قبل أن يثيرا العطش.
من أين جاءت؟ هل خضعت للفحص؟ أين مصدرها؟ من يراقب الصهريج؟ من يفحص خزانه؟
من يضمن أنه لم يُستخدم سابقًا لنقل مادة أخرى؟ ومن يضمن للمواطن أن المياه التي يضعها في خزان منزله، ويغسل بها جسده وثيابه وأوانيه، ليست ناقلة للملوثات والجراثيم والأمراض؟
لا أحد تقريبًا. ادفع واصمت!
من الحرب إلى الدين العام… لكل مرحلة عذرها
وللإنصاف، لم تكن الأعذار دائمًا بلا أساس. خلال الحرب الأهلية قيل إن الحرب والمتاريس وتقسيم المناطق وانهيار مؤسسات الدولة دمّرت البنى التحتية ومنعت صيانتها وتطويرها.
وجاءت الاعتداءات والاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية لتضيف دمارًا جديدًا، ثم جاءت سنوات الوصاية والهيمنة السورية بما حملته من نظام سياسي وأمني واقتصادي خاص.
انتهت الحرب، وعادت مؤسسات الدولة تدريجيًا، فقلنا: الآن تبدأ إعادة البناء.
لكن العذر تغيّر. قيل لنا إن الدين العام كبير، وإن خدمة الدين تلتهم قدرة الدولة على الاستثمار، وإن الخزينة لا تستطيع تحمّل كلفة إعادة بناء كل شيء دفعة واحدة.
ثم بدأت مرحلة المشاريع والمناقصات والوعود. وسمع اللبنانيون عن بواخر تركية لإنتاج الكهرباء، وعن مشاريع ومحطات وتمويلات واستثمارات عربية ودولية، وعن معامل جديدة وخطوط غاز وربط كهربائي.
ودخلت الشركات والاستشاريون والمتعهدون، وتنافس السياسيون على الخطط، وقيل لنا مرة إن هذا المشروع هو الحل، ومرة إن المشروع الآخر هو الحل. ثم دخلت البلاد في الصراع على من يؤهّل القطاع، ومن ينفذ، ومن يمول، ومن يتعهد، ومن يحصل على الحصة السياسية من المشروع. وهنا لم يعد السؤال تقنيًا فقط. أصبح السؤال: هل كانت المشكلة فعلًا في عدم وجود الحلول، أم في النظام الذي يدير الحلول؟
فمع الوقت، بدأ اللبناني يكتشف أن المسألة أكبر من عطل في محطة، وأكبر من نقص في التمويل، وأكبر من مولد أو مضخة.
بدأت تظهر أمامه منظومة سياسية واقتصادية كاملة، تختلط فيها الإدارة بالمحاصصة، والمشاريع بالنفوذ، والتعيينات بالولاءات، والعقود بصراعات القوى السياسية.
تعاقبت على اللبنانيين قوى رفعت شعارات متناقضة: هذا يستند إلى قوة الأمر الواقع والحماية الأمنية السورية، وذاك يتحدث باسم المقاومة، وثالث يحمل راية الإصلاح والتغيير، ورابع يقدم نفسه حاميًا للجمهورية والدولة والمؤسسات.
اختلفت الشعارات.
اختلفت الألوان.
اختلفت الخطب.
لكن المواطن الذي وقف تحتها جميعًا بقي ينتظر الماء والكهرباء، والهاتف، والإنترنت، والطريق.
وبصرف النظر عن المسؤولية المختلفة لكل طرف، وعن ضرورة إثبات أي اتهام مالي أو جنائي بالوثائق والتحقيقات، فإن النتيجة السياسية أمام المواطن واحدة: منظومة حكم امتدت عقودًا لم تستطع بناء خدمات عامة تليق بما دفعه اللبنانيون للدولة
والمفارقة أن هذه المنظومة بارعة في إنتاج المبررات. يقولون لك أن الحرب كانت السبب.
ثم الاحتلال. ثم الوصاية. ثم الدين العام. ثم خدمة الدين. ثم الخلاف السياسي. ثم ارتفاع النفط. ثم الدولار. ثم المصارف. ثم كورونا. ثم الانهيار. ثم الحرب في المنطقة. ثم هرمز. ثم السلاح خارج الدولة….. وفي كل مرحلة يولد عذر جديد، لكن لا تولد كهرباء.
من المياه إلى الكهرباء… الحكاية نفسها
الرابط بين المياه والكهرباء في لبنان لا ينتهي. لا مياه لأن لا كهرباء. ولا كهرباء لأن لا محروقات. ولا محروقات لأن الأسعار ارتفعت. وترتفع الأسعار بسبب الخارج. والخارج بسبب حرب. والحرب بسبب هرمز.
وفي النهاية يدفع اللبناني.. فدائمًا اللبناني هو آخر حلقة في سلسلة الأعذار، لكنه أول من تصل إليه الفاتورة.
والحسرة ليست على انقطاع الماء والكهرباء وحدهما. الحسرة على عمر كامل يمر.
فكثيرون منا مات آباؤهم وأمهاتهم وأجدادهم وهم ينتظرون كهرباء أربعًا وعشرين ساعة. سمعوا الوعود نفسها.
وجوه سياسية مات أصحابها، وبقيت وعودهم بالكهرباء حيّة أكثر منهم.
جاء بعدهم آخرون، ووعدوا وكتبوا الخطط وأقاموا المؤتمرات وظهروا على الشاشات وشرحوا للبنانيين كيف ستعود الكهرباء، ومتى ستعود، وكم ستعود. فماتت الخطط، وبقيت العتمة.
ثم جاء جيل جديد من السياسيين ليبيعنا الوعد نفسه بغلاف جديد. والمصيبة ليست في أنهم يكذبون فقط؛ المصيبة أن طيفًا من اللبنانيين ما زال يصدقهم.
كل عجز للدولة… سوق
والأخطر أن اللبناني لا ينتبه دائمًا إلى حقيقة بسيطة: أن غياب الخدمة العامة نفسه يخلق سوقًا خاصة هائلة.
حين تنقطع كهرباء الدولة، تولد سوق المولدات. وحين تنقطع مياه الدولة، تولد سوق الصهاريج. وحين تضعف شبكة الهاتف والإنترنت، تنشأ حلول وشبكات واشتراكات وخدمات بديلة. وحين ينهار النقل العام، تتوسع سوق النقل الخاص. وحين تصبح الطرقات غير آمنة للمشاة وغير صالحة لنظام نقل محترم، تتكاثر الدراجات النارية ووسائل النقل الصغيرة والفوضوية. وحين تفشل المدرسة الرسمية، تزدهر المدرسة الخاصة. وحين يضعف المستشفى الحكومي، يصبح العلاج الخاص ضرورة لا خيارًا. وحين تعجز الدولة عن الحماية الاجتماعية، تصبح الزعامة والحزب والجمعية والواسطة هي «الدولة» التي يلجأ إليها المواطن.
وهنا ينبغي أن نتوقف. لأن كل عجز للدولة ليس فراغًا فقط.
إنه سوق
وكل سوق لها زبائن وموردون ووسطاء وأرباح ومصالح ورؤوس أموال تتراكم مع الزمن.
المولد يحتاج إلى مازوت، وصيانة، واشتراكات، وشبكات. والصهريج يحتاج إلى مصدر مياه، وشاحنة، وسائق، وزبائن.
والإنترنت البديل يحتاج إلى تجهيزات وشبكات ومشتركين. والنقل الفوضوي يحتاج إلى دراجات، ومحروقات، وقطع غيار، وتمويل.
وهكذا تتحول الخدمات التي كان ينبغي أن تقدمها الدولة إلى قطاعات اقتصادية كاملة تعتاش، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من ضعف الدولة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: إذا كان إصلاح الدولة سيؤدي إلى انكماش هذه الأسواق، فمن المستفيد اقتصاديًا من بقاء الدولة عاجزة؟
السؤال لا يعني أن كل صاحب مولد، أو صهريج، أو دراجة، أو اشتراك إنترنت جزء من مؤامرة. هذا تبسيط سخيف للمشكلة.
كثيرون من هؤلاء وجدوا أمامهم حاجة حقيقية فلبّوها، وبعضهم يعيش من عمله مثل أي مواطن آخر.
المشكلة في مكان آخر: حين يستمر العجز ثلاثين عامًا، لا تعود البدائل «حلولًا مؤقتة». تتحول إلى اقتصاد موازٍ؛ والاقتصاد ينتج مصالح، والمصالح تنتج نفوذًا، والنفوذ يبحث عن السياسة التي تحميه.
دولة تُحصّل… ولا تقدّم
في الدولة الطبيعية يدفع المواطن الضريبة ويحصل مقابلها على خدمات عامة. أما عندنا فقد اخترعنا نموذجًا عبقريًا آخر: ندفع للدولة ثمن الكهرباء، ثم ندفع لصاحب المولد. ثم ندفع لمصلحة المياه، ثم ندفع لصاحب الصهريج. وندفع ضرائب ورسومًا، ثم ندفع للمدرسة الخاصة. كما ندفع للدولة، ثم نبحث عن طبابة خاصة وتأمين خاص وحراسة خاصة ونقل خاص وحلول خاصة لكل شيء.
أي أننا ندفع ثمن وجود الدولة، ثم ندفع مرة ثانية ثمن غيابها. فهذه ليست مجرد أزمة خدمات، بقدر ما هي أزمة مفهوم الدولة نفسه. بل إن المنظومة أكثر ذكاءً من ذلك.
فحين تعجز الدولة عن إعطاء المواطن حقه، يأتي السياسي نفسه الذي شارك في حكمها ليمنحه جزءًا من ذلك الحق بوصفه “خدمة”.
تريد وظيفة؟ اذهب إلى الزعيم!
تريد سريرًا في مستشفى؟ اتصل بمكتب النائب!
تريد معاملة؟ ابحث عن الواسطة!
تريد تعبيد طريق؟ استجدِ المسؤول!
تريد كهرباء أو مياهًا أو مساعدة مدرسية أو صحية؟ اذهب إلى الحزب!
وهكذا يتحول الحق إلى منّة، والمواطن إلى زبون، والسياسي إلى صاحب فضل عليه.
ثم يأتي موعد الانتخابات، فيطلب صاحب الفضل ثمن الخدمة. صوتك. صانع المشكلة يطلب أصواتنا لحلها
وهكذا تقع المفارقة اللبنانية الكبرى: المواطن يشتم الدولة لأنها لا تعطيه الكهرباء، ثم ينتخب من حكم الدولة.
يشتم انقطاع المياه، ثم يصفق لمن عجز عن إصلاح مؤسسات المياه.
يشتم الطرقات والإنترنت والهاتف والنقل العام، ثم يحمل صورة السياسي الذي أدار هذه القطاعات أو شارك في الحكومات التي أدارتها.
والأدهى أن الزعيم نفسه الذي شارك في إنتاج الأزمة يظهر أمام جمهوره باعتباره المنقذ منها.
وهنا تتحول السياسة إلى مسرح عبثي كامل: صانع المشكلة يطلب أصوات الناس كي يحل المشكلة التي شارك في صنعها. وتصفق له الناس.
ثم يعودون إلى بيوتهم ليكتشفوا أن المياه لم تأتِ، فيتصلون بصاحب الصهريج.
تنقطع الكهرباء، فيتصلون بصاحب المولد.
يضعف الإنترنت، فيبحثون عن اشتراك بديل.
وتتعطل الدولة، فيتصلون بمكتب الزعيم نفسه طلبًا للواسطة.
وهكذا تكتمل الدائرة. لم يعد الفشل مجرد نتيجة لسوء الإدارة. لقد أصبح، في جوانب واسعة من حياتنا، نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا يعيد إنتاج نفسه.
أما نحن اللبنانيين… فالمؤلم أكثر أننا ما زلنا نتغنى بأننا شعب متقدم، وأن لبنان «سويسرا الشرق»، وأننا أكثر ثقافة وانفتاحًا من شعوب أخرى.
وكان بعض اللبنانيين، خصوصًا أولئك المنتفخي الكروش والجيوب والغرور، ينظرون باستخفاف إلى بلدان أفريقية وإلى أنماط حياة شعوبها وفقرها.
اليوم تجاوزتنا دول كنا نسخر منها في الكهرباء والمياه والبنية التحتية والاتصالات والخدمات والتحول الرقمي، وبعضها يركض إلى المستقبل فيما نحن نناقش في عام 2026 كيف نوفر بضع ساعات من الكهرباء وكم مرة ستصل المياه إلى المنزل في الشهر.
ومع ذلك لا يزال بعضنا يتصرف بتعالٍ وعنصرية كأننا شعب يعيش في دولة اسكندنافية.
الحقيقة أكثر إيلامًا: نحن مجتمع يستطيع كثير من أفراده أن يتمردوا على الضعيف، وأن يقتصوا منه، وأن يرفعوا أصواتهم على عامل، أو موظف، أو نادل، أو فقير، ثم يصمتوا أمام القوي والمتنفذ، ويجبنوا عن المطالبة بحقوقهم الأساسية.
نثور على صاحب الدكان بسبب بضعة آلاف من الليرات، ثم ننتخب من شارك في إدارة الدولة طوال عقود.
نلعن الفساد صباحًا، ونطلب واسطة الفاسد ظهرًا، ونصفق له مساءً. وهنا تكمن المأساة.
البرجوازي الذي لا تنقطع مياهه
يزعجني جدًا أن أرى برجوازيًا مدعيًا، فارغ العقل والمضمون، ينعم بمياه مسبحه، ويتمدد بسيغاره وكأس الويسكي الداكن، وقد نشر عشرات أشكال الإنارة حول قصره، ثم يحدثنا عن الصبر والتضحية والواقعية وضرورة تحمّل الظروف.
أي ظروف؟
هو لا يعيش ظروفنا أصلًا. مولده يعمل. خزانه ممتلئ. مسبحه ممتلئ. منزله مضاء. أولاده في مدارس وجامعات خاصة.
وإذا مرض ذهب إلى أفضل مستشفى. ثم يطل عليك ليشرح لك لماذا يجب أن تتحمل أنت.
وفي الجهة المقابلة، هناك معلمة تحضّر دروسها على ضوء الهاتف، وموظف يحسب ما إذا كان راتبه يكفي لفاتورة المولد أم لصهريج المياه، وأب يطفئ المكيف عن أطفاله لأن خمسة أمبيرات أصبحت ترفًا، وأحياء كاملة من مدننا الفقيرة ترزح تحت الحرمان والبطالة، والمخدرات، والسرقات، والعنف.
ومع ذلك تستمر اللعبة.
أصفر؛ برتقالي؛ أزرق؛ أخضر؛ أحمر.
تتغير الألوان، ويبقى المواطن في العتمة.
لكل لون جمهوره الذي يجد ألف عذر لزعيمه، ثم يحمل مسؤولية انهيار البلد إلى زعيم اللون الآخر.
وحين تقترب الانتخابات، يستيقظ الجميع فجأة: تُزفّت الطرق، تُصلح حفرة، توزع مساعدات، يُمد خط كهرباء، وتأتي صهاريج مياه، ويظهر النواب بين الناس. ثم ينتهي الموسم، فنعود إلى العتمة.
ولكن من يخسر إذا أصبحت لدينا دولة؟
ولهذا ربما كان السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال: “متى ستعود الكهرباء والمياه”؟ هو:
من يخسر عندما تعود الكهرباء والمياه فعلًا؟
من يخسر إذا أصبح الإنترنت سريعًا ورخيصًا ومتاحًا للجميع؟
من يخسر إذا أصبح لدينا نقل عام حقيقي؟
من يخسر إذا أصبحت المدرسة الرسمية ممتازة والمستشفى الحكومي قادرًا على استقبال المواطن بكرامة؟
من يخسر إذا لم يعد اللبناني يحتاج إلى زعيم، أو نائب، أو مسؤول أمني، أو حزبي كي يحصل على حق يفترض أن تمنحه إياه الدولة تلقائيًا؟
ومن يخسر إذا اختفت الحاجة إلى آلاف المولدات والصهاريج والاشتراكات والحلول الخاصة؟
هنا لا ينبغي أن نسارع إلى نظرية المؤامرة.
فليس كل صاحب مولد فاسدًا.. وليس كل صاحب صهريج شريكًا في منظومة..وليس كل تاجر أو متعهد أو موظف جزءًا من شبكة سياسية.
لكن عندما يتحول غياب الدولة إلى سوق بمصالح مالية كبيرة، يصبح من واجب الدولة والصحافة والقضاء والباحثين أن يسألوا عن حجم هذه الأسواق، ومن يملكها، ومن يحميها، وكيف تُحدد أسعارها، وأين تذهب أرباحها، وهل توجد تقاطعات بينها وبين النفوذ السياسي والأمني.
لأن السؤال لم يعد أخلاقيًا فقط. إنه سؤال في الاقتصاد السياسي للانهيار اللبناني.
هل أصبح الفشل نفسه تجارة؟
المشكلة لم تعد: لماذا لا تصل الكهرباء؟ وليست: لماذا لا تصل المياه؟
السؤال الأخطر هو: من يستفيد من عدم وصولهما؟
عندما يصبح غياب كهرباء الدولة سوقًا للمولدات، وعندما يصبح غياب مياه الدولة سوقًا للصهاريج، وعندما تتحول كل خدمة عامة غائبة إلى اقتصاد خاص يعتاش من غيابها، يصبح من المشروع أن نسأل:
هل ما نعيشه مجرد فشل؟ أم أن الفشل نفسه أصبح تجارة؟
لا أتهم كل صاحب مولد. ولا كل صاحب صهريج. ولا كل موظف.
فالناس تعمل وتبحث عن رزقها، وكثيرون دخلوا هذه القطاعات لأن الدولة تركت فراغًا حقيقيًا.
لكن المطلوب كشف المنظومة كاملة: من يملك الصهاريج؟
من أين تأتي المياه؟ من يراقب نوعيتها؟ من يحدد أسعارها؟ هل تخضع للفحص؟ ما علاقة سوق الصهاريج بانقطاع مياه الشبكات؟ كم تبلغ كلفة ضخ المياه فعلًا؟ كم تجبي مؤسسات المياه؟ وكم تنفق على الصيانة والتشغيل؟ ومن المسؤول عندما يدفع المواطن فاتورته ولا يحصل على المياه؟
والأسئلة نفسها يجب أن تُطرح عن المولدات.
من يحدد الكلفة الفعلية لإنتاج الكيلوواط؟ وبأي سعر اشتُري المازوت؟ وما حجم الاستهلاك الحقيقي؟ وما هامش الربح؟ ومن يراقب العدادات؟ ومن يراقب الالتزام بالتسعيرة؟ ومن يراقب من يفترض به أن يراقب؟
لأننا إن لم نطرح هذه الأسئلة، سنكتشف بعد عشر سنوات أن أبناءنا يكتبون المقالة نفسها: لا كهرباء.
لا مياه. لا نقل عام. شبكة إنترنت لا تليق بالعصر. طرقات مهترئة. دولة غائبة.
ولكن الفواتير تصل في موعدها. لقد مرت الحرب وانتهت، وتغيرت الوصايات، وتبدلت الحكومات، ومات زعماء وجاء أبناؤهم وورثتهم، وتغيرت التحالفات والشعارات والألوان…
وبقي الصهريج في الشارع، والمولد في الحي، والعتمة في البيت، والفاتورة في موعدها.
ولعل هذه هي العبارة التي تختصر جمهورية كاملة: في لبنان، وحدها الخدمة تتأخر… أما الجباية فلا تنقطع.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
