الثوابت المطلقة: أوهام العقل الكسول وأصنام الوعي الجمعي

 

يُحبّ الإنسان، في ضعفه وقلقه، أن يتشبّث بما يظنه “ثابتًا” و”راسخًا”، كمن يتعلّق بخشبة في بحرٍ متلاطم. لكن التاريخ يخبرنا أنّ كل ما اعتُبر ثابتًا في زمنٍ ما، لم يلبث أن انهار تحت مطرقة العقل ونقد التجربة. الثوابت ليست إلا وهمًا مريحًا، اختراعًا بشريًا لتسكين القلق الوجودي، وتجميد الفكر في قوالب جامدة. والذين يرفعون شعار “المبادئ الراسخة” ليسوا حراسًا للحقيقة بقدر ما هم حراس لمصالحهم، ومتاريس لامتيازاتهم.

وهم الثوابت في التاريخ

حينما قال الإغريق إنّ الأرض مركز الكون، كان ذلك “ثابتًا” لا يقبل النقاش. من شكك فيه عُدّ زنديقًا أو جاهلاً. وحينما قالت الكنيسة إنّ الشمس تدور حول الأرض، ربطت هذا الادّعاء بالله والكتاب المقدس، حتى صار إنكارُه خروجًا عن الدين. لكن غاليليو وكوبرنيكوس دقّا المسامير في نعش هذا “الثابت”، وانهار المقدّس أمام براهين العلم.

في الإسلام أيضًا، رُفعت عشرات الأحكام البشرية إلى مصافّ “الثوابت”، حتى صارت أكثر قداسة من القرآن نفسه. تحوّلت اجتهادات الفقهاء إلى مبادئ راسخة، وتحوّل الخلاف المذهبي إلى حروب ودماء بحجة الدفاع عن “الحق المطلق”. لكن التاريخ يفضح هذه القداسة الزائفة: فما كان يومًا “ثابتًا” عند الأشاعرة كان بدعة عند المعتزلة، وما اعتبره الحنابلة عقيدة لا تمسّ، رآه الشيعة انحرافًا. فأي ثابت هذا الذي يتشظّى مع كل فرقة وزمن؟

الثوابت كآلية للهيمنة

السلطة لا تحبّ العقل الحر، لأن العقل الحرّ يهدّد استقرارها. لذلك تلجأ دائمًا إلى صناعة “ثوابت” تحصّنها من النقد. حين يقول الحاكم: “هذه مبادئ الأمة الراسخة” فهو في الحقيقة يقول: “هذه امتيازاتي التي لا أسمح لكم بلمسها”. وحين يصرّ رجل الدين على وجود “ثوابت قطعية” فهو في الغالب يحرس مؤسسة مصالحها قائمة على هذه الثوابت.

كارل ماركس كان محقًا حين قال: “الأفكار السائدة في أي عصر هي أفكار الطبقة المسيطرة”. فالثوابت ليست إلا انعكاسًا لسلطة زمنية، ترفع شعار المطلق كي تُخفي نسبيتها. إنّها حيلة أيديولوجية: تثبيت ما هو متغيّر، وتقديس ما هو بشري.

الثوابت في أزمة الحداثة

اليوم، في عالمٍ تتسارع فيه المعارف وتتقوّض فيه المسلّمات، لم يعد هناك مكانٌ لثابت مطلق. التقنية تغيّر نظرتنا للإنسان، والعلوم تكشف هشاشة يقينياتنا القديمة، والفلسفة تعيد مساءلة كل ما اعتُبر مسلّمًا. ومع ذلك، لا يزال البعض يعيش في أوهام “المبادئ الراسخة” وكأنّها صخور صلدة لا تمسّ.

لكن الواقع أنّ الثابت الوحيد هو أنّ كل شيء قابل للمساءلة. حتى القيم الأخلاقية الكبرى—كالحرية، والعدالة، والمساواة—ليست معطيات نهائية، بل هي مفاهيم متحوّلة تتشكّل وفق السياقات التاريخية والثقافية. الحرية عند الإغريق لم تكن هي نفسها عند فلاسفة التنوير، وليست هي ذاتها عند الليبراليين اليوم. فما يُسمّى ثابتًا ليس إلا مرحلة من مراحل الصيرورة الإنسانية.

مقارنات فلسفية: من ديكارت إلى فوكو

ديكارت افتتح مشروعه بالشك، لا بالتسليم. هدم كل ما ورثه حتى لم يبقَ أمامه سوى حقيقة واحدة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. لم يخَف أن يشك في الله، في الحسّ، في العقل نفسه. كان يدرك أن الحقيقة تُبنى بالهدم أولًا.

كانط، في المقابل، أعلن أنّ العقل البشري محكوم بحدود، وأنّ المطلق خارج طاقتنا. رفض أن يُسلّم لأوهام الميتافيزيقا، واعتبر أنّ القيم والأخلاق ليست أوامر سماوية جامدة، بل نابعة من “العقل العملي” ومن إنسانية الإنسان.

نيتشه ذهب أبعد، فأعلن موت الإله الذي اخترعته السلطة، وهدم أوثان “الحقائق المطلقة”، معتبرًا أن كل معرفة هي تأويل. وفوكو، بعده، فكّك آليات السلطة التي تتخفّى وراء ما يُسمّى بالحقيقة، كاشفًا أن كل “ثابت” هو إنتاج خطابٍ يراد به السيطرة على الأجساد والعقول.

هؤلاء الفلاسفة يكشفون لنا أن الثابت ليس إلا أداة للهيمنة أو قناعًا للضعف. وما دام العقل حيًا، فلن يقبل إلا أن يمارس فعل الشك والنقد بلا هوادة.

الواقع العربي والإسلامي: ثوابت تصنع الخراب

في مجتمعاتنا، الثوابت تُستخدم كعصا لمنع التفكير. من يجرؤ على مساءلة “ثوابت الدين” يُكفَّر، ومن يشكك بـ”ثوابت الأمة” يُخوَّن، ومن ينتقد “ثوابت الدولة” يُسجَن. النتيجة: مجتمعات مشلولة، خائفة، أسيرة أوثان صنعها بشر ثم ألبسوها ثوب الإله.

في الفقه الإسلامي، لا تزال بعض الأحكام الجائرة تُقدَّم كأنها “ثوابت شرعية” رغم أنها وليدة سياقات قبلية تجاوزها الزمن: مثل أحكام الرقّ، أو التمييز ضد المرأة، أو فقه الجزية. في السياسة، تُقدَّم أنظمة الاستبداد كحامية للثوابت الوطنية، بينما هي في الحقيقة حامية لكراسيها. في الثقافة، يكرَّس تقديس الماضي باعتباره “هوية راسخة” تمنع أي تجديد.

هذه الثوابت لم تحمِ الدين ولا الوطن ولا الهوية، بل دمّرت العقل، وأبقتنا عالقين في دوائر التخلف والانقسام.

الأدب في مواجهة الأصنام

الأدب، بخياله، كان دائمًا عدوّ الثابت. المتنبي هدم بنية المدح التقليدي بقوله: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ / فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ”. نزار قباني مزّق ثوابت الأخلاق الزائفة بكلماته، وأدونيس جعل من الشعر معولًا ضد الجمود.

الثوابت في حقيقتها أصنامٌ جديدة، لا تختلف عن اللات والعزى. الفرق أنّ أوثان الماضي من حجر، وأوثان اليوم من كلمات. لكن الكلمة، إذا صارت سجنًا، كانت أخطر من الصنم الحجري.

الإنسان فوق الثابت

الإنسان، لا الثابت، هو محور كل القيم والمعارف. حين نجعل المبادئ أسمى من الإنسان، نحكم عليه بالموت في سبيل أوهام. وحين نرفع “المطلق” فوق التجربة الإنسانية، نقتل الحيوية التي تُبقي الفكر حيًا. الدين نفسه، إن لم يُقرأ في ضوء الإنسان وكرامته، يصبح أداة قمع لا رسالة تحرير.

لذلك، المطلوب ليس تقديس الثوابت، بل مساءلتها الدائمة. ليس البحث عن يقينيات نهائية، بل قبول اللايقين كحقيقة كبرى. ليس الاحتماء بالمطلق، بل الشجاعة في مواجهة النسبي.

نحو عقل بلا قيود

العقل الحرّ لا يعترف إلا بحرية البحث. لا يخضع لصنم ولا لسلطة، ولا يهاب سؤالًا مهما بدا خطيرًا. إنّ تربية الإنسان على الثوابت المطلقة هي قتل مبكر لطاقاته النقدية. والمجتمع الذي يعيش على المبادئ الراسخة أشبه بجثة محنّطة: محفوظة الشكل، فاقدة الروح.

إن الثورة الفكرية التي يحتاجها عالمنا العربي تبدأ من هنا: تحطيم أوثان الثوابت، وكسر قيود المبادئ الجامدة، وإعادة الاعتبار لسلطان العقل. وما لم نفعل ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة، نحرس ركامًا ميتًا ونسميه “أصالة”، ونقدّس الجمود ونسميه “ثباتًا”.

الثابت الوحيد

الحياة صيرورة، والفكر حركة، والإنسان مشروع لا يكتمل. وكل من يرفع راية “الثوابت المطلقة” إنما يرفع راية الخوف من المستقبل، والخضوع للماضي، والانسحاب من معركة العقل. الثابت الوحيد هو حرية العقل، وما سواه ركام يجب أن يُعرض على محكمة الشك بلا قداسة ولا خوف.

إننا لا نملك رفاهية الركون إلى أوهام الثبات في زمن تتغيّر فيه الخرائط كل يوم. من أراد أن يعيش فليشك، ومن أراد أن يفكر فليسائل، ومن أراد أن يكون إنسانًا بحق، فليتجرأ على هدم أوثان الثوابت التي ما هي إلا أقنعة للكسل، وأصفاد للعقل، وسجون للروح.

مقالات الكاتب

د. محمد ترحيني

كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.