في القنّ القائم إلى جوار منزلي، كانت الأيام تتشابه حتى ليُخيَّل للناظر أن الزمن هناك يدور في دائرة واحدة. خمس عشرة دجاجة تتقاسم المكان نفسه، وتستقبل الصباحات على الوتيرة ذاتها؛ حبوب تُنثر على الأرض، وماء يُجدَّد، وحركة هادئة لا تكاد تخرج عن حدود المألوف.
كان المشهد مستقرًا إلى حدّ يوهم بالثبات، كأن الحياة اكتفت بشكلها هناك. غير أنّ أكثر الأسئلة عمقًا لا تولد في الزحام، بل في التفاصيل الصغيرة التي تمرّ بنا من دون أن ننتبه لها.
وسط ذلك السرب، كانت هناك دجاجة تختلف عن سواها.
لم يكن اختلافها في لون الريش أو هيئة الجسد، بل في ذلك القلق الخفي الذي بدا كأنه يسكنها. كانت تقف طويلًا عند طرف السور، رافعة رأسها نحو البعيد، كأنها تصغي إلى نداء لا تسمعه الأخريات.
كانت تقترب من الحاجز، ثم تتراجع، ثم تعود إليه في اليوم التالي بثبات أهدأ من أن يكون مصادفة. بدا الأمر كحركة تتكرر من دون أن تفقد معناها.
ثم جاء اليوم الذي حُسم فيه التردّد.
بقَفزة واحدة تجاوزت الحدّ الذي ألفته. لم يكن في المشهد ما يلفت، لكنه غيّر ما بعده بصمت.
منذ ذلك اليوم، أصبحت تمضي ساعات النهار بين الأعشاب البرية خلف القنّ. كانت تتحرك بخفة بين الخضرة المتناثرة، تنقر الأرض كأنها تختبرها من جديد، غير عابئة بما تركته وراءها.
ومع المساء، كانت تعود.
تتوقف لحظة فوق السور، ثم تهبط إلى الداخل بهدوء. تكرر هذا المشهد حتى صار جزءًا من يومي، وصرت أترقب ظهورها عند الغروب كما أترقب عودة طائر يعرف طريقه إلى عشه.
ومع ذلك، ظل سؤال صغير يرافقني: ما الذي كانت تبحث عنه؟
في صباح هادئ، خرجت كعادتها.
كان الضوء ساكنًا فوق الحقول، والهواء بلا اتجاه، وكل شيء يوحي بأن اليوم لن يخرج عن صمته.
لكن خارج القنّ، كان ثعلب يراقب. جسد ثابت في العشب، وعينان لا تتعجلان شيئًا.
وحين اقتربت، انكسر كل شيء في لحظة واحدة، ثم عاد الصمت كما كان.
لم يصل إلى الداخل ما يكشف ما جرى، ولم تنتبه الدجاجات إلى غياب حدث خارج حدود عالمها الصغير. استمر القنّ في يومه العادي، كأن شيئًا لم يكن.
أما أنا، فلم أدرك غيابها إلا مع حلول المساء.
انتظرت أن أرى ظلها فوق السور، لكن الحافة بقيت خالية.
مرّ الوقت، وانطفأ الضوء شيئًا فشيئًا، ولم تعد.
أقنعت نفسي، أول الأمر، بأنها تأخرت. لكن الليل لم يمنح هذا الاحتمال عمرًا طويلًا، وكان الصمت أوضح من أي تفسير.
وفي صباح اليوم التالي، صار الغياب يقينًا.
بقي كل شيء على حاله؛ الحبوب تُنثر، والماء يُبدَّل، والدجاجات تتابع حركتها اليومية كأن شيئًا لم ينقص.
وأدهشني أن العالم لا يتوقف حين يغيب أحد تفاصيله الصغيرة.
فالأشياء تمضي كما لو أن الغياب جزء من نظامها، لا خلل فيه.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الدجاجة مجرد طائر خرج من القنّ.
بل صارت أثرًا لفكرة لا تُرى: أن الاقتراب من الحدّ يغيّر ما بعده، حتى حين لا يُقال شيء.
لقد بقيت حيث كنّ، وبقيت هي حيث انتهى مسارها.
بين الداخل والخارج، لم يكن هناك عبور بقدر ما كان هناك انتقال صامت في معنى الوجود نفسه.
وكلما مررت بذلك المكان، بدا السور أقلّ مادة وأكثر سؤالًا.
وهكذا بقي السؤال معلّقًا من دون حاجة إلى جواب: هل كان ما وراء السور خلاصها… أم نهايتها؟

فاروق خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
