حين لامس لبنان حافة الفضاء في مطلع ستينيات القرن الماضي، لم تكن الحكاية مجرّد طموح أكاديمي عابر في أروقة “جامعة هايغزيان” في بيروت، بل كانت مؤشرات لنهضة سياديّة كادت أن تعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط.
بدأت الرحلة مع الدكتور مانوغ مانوغيان وطلابه، بمشاركة تقنيين من الجيش اللبناني وبميزانيات زهيدة، لكنها سرعان ما قفزت قفزات تكنولوجية لافتة أثارت قلق المراقبين الدوليين، وصولاً إلى صاروخ “أرز 4” الذي شق أفق السماء ليصل إلى حدود الفضاء شبه المداري على ارتفاع 150 كيلومتراً، وبمدى باليستي بلغ نحو 600 كيلومتر.
هذا الإنجاز تحديداً كان اللحظة التي تحوّل فيها الحلم العلمي إلى خطر جيوسياسي في عيون القوى الكبرى، إذ رُئي في البرنامج الصاروخي اللبناني نواة لقوة باليستية قادرة على كسر موازين القوى التقليدية في منطقة شديدة الحساسية.
إن القراءة المتأنية لهذا الإجهاض القسري للمشروع عام 1966 تتجاوز منطق الضغوط الدبلوماسية العادية أو الحوادث التقنية، لتكشف عن عملية “نزع أنياب” مبكرة ومنظمة للدولة اللبنانية. فلو سُمح لهذا التطور العلمي أن يأخذ مجراه الطبيعي، ويتحوّل من مختبرات الجامعة إلى ثكنات الجيش كصناعة دفاعية وطنية، لكان لبنان اليوم في تموضع تاريخي واستراتيجي مختلف تماماً.
إن امتلاك الدولة، في ذلك الوقت، لردع تكنولوجي وطني كان كفيلاً بفرض هيبة المؤسسة العسكرية كقوة وحيدة وحاسمة على الأرض، مما كان سيمنع تحوّل لبنان إلى “ساحة مستباحة” للقوى الإقليمية والمنظمات المسلحة التي وجدت في ضعف الدولة فرصة للتمدّد من دون حسيب أو رقيب.
وبمعنى أكثر عمقاً، فإن حماية هذا الطموح العلمي كانت ستشكّل الدرع الواقي الذي يمنع التغلغل والسيطرة الفلسطينية حينها على القرار السيادي اللبناني في أواخر الستينيات. فالدولة التي تمتلك تكنولوجيا الصواريخ متعددة المراحل وتدير برنامجاً فضائياً ريادياً، هي دولة تمتلك، بالضرورة، إرادة سياسية صلبة وجهازاً أمنياً قادراً على حماية حدودها وقرارها.
ولو استمر مشروع “أرز”، لما وجد لبنان نفسه مرغماً على الانحناء أمام الضغوط التي قادت إلى توقيع اتفاقية القاهرة عام 1969، تلك الاتفاقية التي شرّعت السلاح غير اللبناني فوق الأرض اللبنانية، وكانت بمثابة التنازل الرسمي الأول عن السيادة المطلقة، مما مهّد الطريق لكل الكوارث اللاحقة.
ومن هنا، يمكن الربط مباشرة بين إجهاض “أرز” واندلاع الحرب الأهلية عام 1975. فالدولة القوية علمياً وتقنياً هي دولة عصيّة على التفتت “الميليشياوي”، إذا صح التعبير، وتفوّقها التكنولوجي يمنحها شرعية وطنية وقوة رادعة تمنع الانزلاق نحو اقتتال الطوائف.
إن تفريغ لبنان من كفاءاته العلمية ومنعه من امتلاك أدوات القوة المستقلة جعله جسداً مكشوفاً أمام العواصف. وعلاوة على ذلك، فإن وجود ترسانة صاروخية دفاعية ناتجة عن عقول لبنانية كان سيغيّر، بالضرورة، الحسابات الإسرائيلية تجاه لبنان تغييراً جذرياً. فالتوازن التقني يخلق توازناً في الرعب، ولو امتلكت بيروت في السبعينيات ما يطال العمق الاستراتيجي للخصوم، لما تجرأت قوات الاحتلال على اجتياح الأراضي اللبنانية وصولاً إلى العاصمة عام 1982، ولما بقيت الأجواء اللبنانية مسرحاً مستباحاً لطلعات الطيران الحربي لعقود طويلة، ولا تزال حتى اليوم.
في نهاية المطاف، لم تكن تصفية برنامج صواريخ “أرز” مجرّد وقف لتجارب فيزيائية أو إغلاق لمختبر جامعي، بل كانت عملية اغتيال استباقية لمستقبل لبنان كدولة قوية ومستقلة وذات سيادة تكنولوجية. لقد أُجبر لبنان على العودة من حافة الفضاء إلى زواريب الصراعات الداخلية، ودفع ثمن تجريده من “قوته العلمية” أثماناً باهظة من دماء أبنائه وسيادته المهدورة.
إن قصة “أرز” تظل شاهداً على أن امتلاك العلم هو الضمانة الحقيقية للسيادة، وأن تعطيل المسار العلمي كان الخطوة الأولى في رحلة الانهيار الوطني الشامل الذي لا يزال لبنان يعاني منه حتى اليوم.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
