رجاءٌ على أبواب اليأس… ماذا تعني زيارة البابا للبنان اليوم؟

 

لبنان اليوم يئنّ تحت وطأة أزماتٍ متراكمة: انهيار اقتصادي هائل، وانقسامات سياسية مستعرة، ومعاناة يومية تجعل الحياة تحدّياً شبه مستحيل. ووسط هذا الظلام، تآكلت ثقة اللبنانيين بالسياسات، ولم يبقَ لهم سوى الرجاء بالله، باحثين عن بصيص أمل يرشدهم نحو غدٍ أفضل. وكما قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته للبنان: «لبنان أكثر من وطن… إنّه رسالة». هذه الكلمات لم تكن مجرد تعبير عن المشاعر، بل كانت دعوة لكل اللبنانيين ليتذكّروا أن وطنهم يحمل رسالة إنسانية وروحية للعالم، رسالة تتجاوز الانقسامات والخلافات، وتدعو الجميع إلى التمسّك بالإيمان والرجاء.

لقد كانت زيارات الباباوات للبنان دائماً مصدر قوّة وإلهام، تشكّل محطة روحية توحّد اللبنانيين رغم اختلافاتهم. وقد تركت زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بصمة لا تُمحى في وجدان الشعب، إذ كانت تذكيراً بأن لبنان قادر على الصمود والتجدّد، وأن قوته الحقيقية تكمن في روحه الإنسانية وإيمانه العميق.

واليوم، مع زيارة قداسة البابا ليو الرابع عشر، يتجدّد الرجاء وتُستأنف الرسالة نفسها بحضورٍ حيّ ومباشر. فهذه الزيارة ليست مجرد حدث ديني أو مراسم رسمية، بل رسالة رجاء صافية لشعب أنهكته المحن، وصيحة محبة للسلام تتردّد في أرجاء وطنٍ يئنّ تحت وطأة الانقسامات. وهي تذكّر اللبنانيين بأن قوتهم الحقيقية لا تكمن في السياسات التي خذلتهم، بل في إيمانهم الراسخ وتمسّكهم بقيمهم الإنسانية الأصيلة، وفي قدرتهم على العمل المشترك لإعادة بناء وطنهم.

إن الحضور الروحي للبابا يحمل دعوة جامعة لكل اللبنانيين، بعيداً عن الانتماءات الطائفية والمصالح الضيّقة. وهو تذكير للعالم بأن لبنان بحاجة، أولاً، إلى دعم معنوي وروحي قبل أي دعم مادي، وأن الأمل قادر دوماً على اختراق ظلمات اليأس. وقد شدّد قداسة البابا على أنه: «عليكم أن تهدموا الجدران التي قسمتنا، وتبنوا الجسور التي تجمعنا». هذه الكلمات تضع أمام أعين اللبنانيين الطريق إلى الوحدة، وإلى حوار وطني صادق، وإلى تضامن اجتماعي لا يعرف الانتماءات الضيّقة.

إن هذه الزيارة تشكّل نداءً صريحاً للعودة إلى الجذور الروحية والإنسانية، وإلى حوار وطني صادق، وتعزيز التضامن الاجتماعي. وهي فرصة لترسيخ المبادئ التي تصنع وحدة حقيقية، بعيداً عن السياسات الفاشلة والخلافات العقيمة. فلبنان قد فقد ثقته بالسياسات، لكنه لم يفقد إيمانه بالله؛ وهذا الإيمان هو الركيزة التي يمكن أن تُبنى عليها وحدة وطنية صادقة ومستدامة.

وتغدو الزيارة محطة تأمّل للبنانيين في كيفية مواجهة محنتهم اليومية. فالتغيير يبدأ من الداخل، من كل فرد يختار أن يكون جزءاً من الحل، وأن يمدّ جسور الثقة بين الناس والمؤسسات، حتى في أصعب الظروف. كما يمنح حضور الحبر الأعظم شعوراً بأن لبنان لم يُنسَ، وأن العالم لا يزال يراقب ويهتم، وأن هناك من يشارك اللبنانيين آلامهم وأحلامهم.

وتحمل الزيارة رسالة قوية للشباب اللبناني، الذين يئنّون تحت وطأة اليأس الاقتصادي والهجرة المستمرة. إنها دعوة لهم ليؤمنوا بقدرتهم على صنع الفرق، وليكونوا جيل الأمل الذي يعيد للبنان إشراقه، ويعيد للأخلاق والقيم الإنسانية مكانتها في مجتمع يكاد ينكسر. فالرجاء والعمل المشترك، كما يذكّر البابا، هما الطريق لاستعادة روح لبنان الحية.

إن زيارة البابا ليو الرابع عشر ليست حدثاً عابراً، بل رسالة قوية للبنانيين وللعالم أجمع: لا مستقبل للوطن إلا بالإيمان والعمل الجاد، ولا سلام دائماً إلا بالرجاء والعمل المشترك. إنها صيحة أمل تعلن أن لبنان حيّ، وأن الروح الوطنية ما زالت تنبض في قلوب أبنائه، وأن الرجاء بالله والعمل من أجل السلام هما السبيل لاستعادة وطنٍ موحّد وآمن ومزدهر.

مقالات الكاتب

د. دعد قزي

 

مديرة مركز المطران مارون العمار للرعاية الصحية الأولية.