قضية أبو عمر… اختبار جديد لسيادة القرار السياسي في لبنان

لم تكن قضية “أبو عمر” مجرّد حادثة عابرة في المشهد السياسي اللبناني، بل شكّلت مؤشرًا مهمًا لطبيعة النظام السياسي وآليات عمله. فأن يتمكّن شخص، أياً تكن هويته أو الجهة التي يمثلها، من التحرك داخل الساحة السياسية، والتواصل مع شخصيات مؤثّرة، وتقديم نفسه كمصدر نفوذ أو وسيط تأثير، من دون أي صفة رسمية، يطرح تساؤلات جوهريّة حول مفهوم السيادة في لبنان، ويكشف مدى قدرة الدولة على حماية نفسها من التأثيرات الخارجية والتدخلات الشخصية.

القضية لا تتعلّق بشخص “أبو عمر” بقدر ما تتعلّق بعقلية سياسية سائدة لا تزال ترى في الخارج مرجعًا، وفي الداخل ساحة مفتوحة. ففي الدول ذات السيادة الفعلية، لا مكان للوسطاء المشبوهين ولا قيمة لادعاءاتهم غير المثبتة. أمّا في لبنان، فيبدو أنّ مجرّد الترويج للانتماء إلى جهة خارجية قادرٌ على فتح الأبواب السياسية والإعلامية، وجذب الانتباه، بل والتأثير في صنع القرارات.

الظاهرة ليست جديدة. ففي تاريخ لبنان الطويل، شهدت البلاد عدة أشكال من الهيمنة، بدءًا من الانتداب الفرنسي الذي شكل احتلالاً بكل المعايير، مرورًا بالوجود السوري الذي هيمن على مفاصل الدولة، وصولًا إلى التدخلات الإقليمية الحديثة، حيث تتعدّد الجهات الفاعلة في التأثير على السياسة الداخلية. تتغير الأدوات وتتبدل الأسماء، لكن العقلية نفسها تبقى قائمة: عقلية تنتظر الإشارة من الخارج، وتقدّم مصالح القوى الخارجية على مصلحة الدولة.

على مستوى المؤسسات، تعكس قضية “أبو عمر” وهن آليات الحماية والتحقق. فغياب آليات فاعلة للتحقق من المعلومات، وانعدام الرقابة الصارمة على تدخل الوسطاء غير الرسميين، أتاح لشخص بلا صفة رسمية أن يتجاوز الحدود المتعارفة للعمل السياسي، ويتواصل مع صناع القرار وكأنه ممثلٌ معتمد. هذه الفجوة التنظيمية ليست مجرد ثغرة عابرة، بل تعبيرٌ عن خلل هيكلي في طريقة إدارة الدولة اللبنانية لشؤونها السيادية.

أما على المستوى الشعبي، فقد زادت هذه الظاهرة من فقدان الثقة بالدولة، وعزّزت صورة لبنان ككيانٍ مُستباح سياسيًا، حيث يمكن لأي وسيط أن يتدخّل، ويُؤثّر، من دون مساءلة. فالمواطن الذي يُتابع هذه الوقائع يستنتج أن قرارات الدولة لا تعبّر بالضرورة عن إرادته أو مصالحه، بل قد تكون رهينة معلومات غير دقيقة أو مزوّرة. وهو واقع يُعمّق الإحباط السياسي، ويُوسّع الهوّة بين الشعب ومؤسسات دولته.

من جهة أخرى، تُظهر القضية أنّ لبنان يضمّ من الكفاءات والمؤسسات ما يُمكّنه من أن يكون دولة مستقلة وسيدة، لكن النخبة السياسية لا تزال تتعامل بعقلية الخاضع لمن ينتظر الإشارة من الخارج، لا القائد الذي يصنع القرار من الداخل. فالحكومة والبرلمان والأحزاب وحتى بعض وسائل الإعلام المقربة من السلطة، أظهرت هشاشةً في مواجهة حالة فردية، في حين يرفع الخطاب الرسمي شعارات السيادة والاستقلال.

في المحصّلة، قد يتبدّد اسم “أبو عمر” من الفضاء الإعلامي، لكنّ الإشكاليات التي أثارتها واقِعَتُهُ ستبقى قائمة، مطالبةً بمراجعة عميقة للسياسات ولثقافة الحكم في لبنان. فالمشكلة ليست في شخصٍ عابر، بل في نظامٍ يسمح بتجاوزه، وفي عقليةٍ تتيح لغير المؤهّلين التلاعب بمصير الوطن.

وبينما يُردّد الخطاب الرسمي شعارات السيادة والاستقلال، تكشف الوقائع استمرارية عقلية تكوّنت في زمن الانتداب والاحتلال، ولم تتخلّص منها الدولة حتى اليوم.

ويبقى التحدي الأكبر: كيف نحرّر القرار السياسي من قبضة نخبة سياسية استخدمت الدولة مساحةً للنفوذ والفساد، وجعلت التبعية نهجًا بديلاً عن السيادة؟

مقالات الكاتب

د. دعد قزي

 

مديرة مركز المطران مارون العمار للرعاية الصحية الأولية.