حين ينسج الإعلام السوري الواقع بخيوط السلطة: مقابلة جنبلاط نموذجًا (2/2)

أثارت المقابلة التي أجرتها قناة الإخبارية السورية مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط جدلًا واسعًا، نظرًا لتوقيتها ومضامينها التي جاءت في مرحلة حسّاسة تمرّ بها محافظة السويداء بعد الأحداث الدامية التي شهدتها في تموز/يوليو الماضي، والتي خلّفت مئات القتلى من المدنيين وعشرات القرى المدمّرة والمنهوبة، نتيجة هجومٍ ممنهجٍ على الدروز نفّذته قوات الأمن العام والجيش التابع لوزارة الدفاع السورية في حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بالإضافة إلى حشودٍ من العشائر التي استخدمتها السلطة خلال هجومها.

بدت المقابلة محاولةً إعلاميةً لاستثمار مكانة وليد جنبلاط الرمزية لدى الدروز، لتوجيه رسائل تدعم خطاب السلطة الجديدة في دمشق، فيما أراد جنبلاط تمرير مواقف سياسية تخالف رياح الشرع بقدرٍ من الحذر والرمزية.

يهدف هذا المقال بجزئيه الأول (https://beirut2030.me/?p=3280) والثاني إلى استكشاف سياسة الإعلام السوري الرسمي وغاياته في ظلّ نظام الشرع، من خلال تحليلٍ نقديّ لمقابلة جنبلاط.

 

كيف فقد جنبلاط تأثيره في سوريا؟

عندما وصلت هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم يكن هذا الوصول إلى مركز صنع القرار مريحًا للكثير من المجموعات السكانية في سوريا، ولعل أبرزها الطائفة الدرزية التي كانت لها سردية قديمة مع جبهة النصرة سابقًا، بسبب ما ارتكبته من تجاوزات وانتهاكات بحقهم في مناطق مختلفة من البلاد، في جبل الشيخ وريف السويداء وجبل السماق في إدلب.

وقد تجلّى هذا الخوف العميق الذي يحيط بالمجتمع الدرزي تجاه هيئة تحرير الشام في موقف الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الذي عبّر بوضوح عن رفضه لاستفراد الهيئة بالحكم واحتكارها مسار الانتقال السياسي في البلاد.

عمل وليد جنبلاط جاهدًا لتقليص هذه الهوّة بين مخاوف الدروز السوريين والسلطة السياسية الجديدة الممثلة بهيئة تحرير الشام، فقام بزيارة أحمد الشرع، قائد «معركة ردع العدوان» آنذاك، ليكون أول مسؤول سياسي عربي يزوره في قصر قاسيون. غير أن هذه الزيارة لم تكن مطمئنة للدروز السوريين، الذين ما زالوا يحملون في ذاكرتهم ما عانوه من جرائم على يد جبهة النصرة خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية.

إلى أن جاءت أحداث أيار/مايو في ريف دمشق، وتحديدًا في المناطق ذات الغالبية الدرزية مثل جرمانا وصحنايا والأشرفية، ثم الهجوم اللاحق على محافظة السويداء في تموز/يوليو الماضي، الذي أوقع شرخًا كبيرًا بين وليد جنبلاط والشيخ حكمت الهجري في سوريا. وقد نتج هذا الشرخ عن موقف جنبلاط المتماهي جزئيًا مع السلطة السورية الجديدة، وصمته أو تغاضيه إزاء الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق أبناء الطائفة الدرزية.

لكن جنبلاط على ما يبدو وفي تلك المقابلة مع الإعلام الرسمي السوري، حاول بشكل أو بآخر التقرب من دروز سوريا، وتحديدًا من الشيخ حكمت الهجري، عندما دعا إلى البحث عن أنماط جديدة من الحكم تضمن استقرار المرحلة المقبلة، وتتيح للمكوّنات السورية فرصة الالتقاء مجددًا ضمن إطار وطني وجغرافي جامع، معتبرًا أن استمرار النظام المركزي بصيغته الحالية لا يخدم الاستقرار، بل يعيد إنتاج الأزمات ذاتها.

غير أن هذه التصريحات، وإن بدت دعوة للإصلاح، لا تنسجم مع ما ترغب هيئة تحرير الشام في سماعه من أحد أبرز حلفائها الإقليميين الذين ساندوا وصولها إلى دمشق منذ اليوم الأول، وتعزز بشكل او بأخر من مطالب أهالي السويداء في الإدارة الذاتية أو اللامركزية. أما من ناحية تأثيره المحتمل على دروز سوريا فإن جنبلاط بدا حذرًا في مواقفه، متجنبًا الانخراط المباشر في أي مبادرة تخص السويداء، ومقرًا كلاميًا بأنه لا يمتلك أدوات تأثير حقيقية داخل سوريا، ومعترفاً ضمنيًا وبشكل غير مباشر بأن تلك الأدوات قد فقدت، بعد كل ما فعلته سلطة الشرع في العشر شهور الماضية من فشل في إدارة التنوع السوري.

هل دروس التاريخ العثماني للوالي العثماني أو للسلطان؟

أما الرسالة الأبرز التي وجّهها جنبلاط إلى الحكومة السورية الحالية برئاسة «الرئيس الانتقالي» أحمد الشرع، فجاءت مغلّفة بسردٍ تاريخيّ لأحداث عام 1860 في بلاد الشام، إذ ذكّر بأنّ السلطنة العثمانية، «وعبر رجالاتٍ كبارٍ عقلاء كانوا يحكمونها في ذلك الوقت»، أرسلت الوالي فؤاد باشا إلى دمشق، حيث تولّى محاسبة المسؤولين عن الجرائم الطائفيّة التي ارتُكبت ضدّ مسيحيي دمشق، حتى إنّه نفّذ أحكام الإعدام بحقّ عددٍ من المتورّطين المسلمين، بينهم والي دمشق نفسه، أحمد باشا.

ودعا جنبلاط السلطةَ السورية الحالية (والمقصود هنا سلطة هيئة تحرير الشام التي أعادت تشكيل نفسها كأمانة عامة سياسية) إلى اتّباع النهج ذاته الذي اعتمده فؤاد باشا، بإجراء تحقيقٍ عادلٍ في أحداث السويداء، وتطبيق العدالة عبر القصاص، أي الإعدام، من مرتكبي الجرائم.

الرسالة التي وجّهها وليد جنبلاط في حديثه لم تكن عابرة، بل حملت دلالاتٍ موجّهة إلى طرفين أساسيين يتحكّمان بالمشهد السوري اليوم: هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع (المعروف بالجولاني)، والدولة التركية، الراعي الأبرز للسلطة الحالية في دمشق.

إذ نوّه جنبلاط في حديثه إلى الحنكة السياسية لفؤاد باشا، وزير خارجية السلطنة العثمانية آنذاك، الذي تمكّن من منع القوات الفرنسية من دخول دمشق عبر محاكمة مرتكبي الجرائم الطائفيّة وإنزال أقصى العقوبات بهم، رغم أنّ تلك القوات كانت قد وصلت إلى بيروت والشوف في لبنان خلال حرب عام 1860. وقد حملت هذه الإشارة رمزيةً واضحة، أراد من خلالها السياسي اللبناني تذكير السلطة الحالية بضرورة تحكيم العقل والحكمة السياسية للتقليل من الخسائر والحفاظ على السيادة الوطنيّة وتفادي مزيد من التدخّل الخارجي، سعيًا إلى بناء الدولة على أساس مفهوم الوطنية والمواطنة.

جنبلاط أيضًا كان ينسج الخبر بخيوط مصالحه

لم تكن مقابلة وليد جنبلاط مع قناة الإخبارية السورية مجرد حوار إعلامي، بل كانت مليئة بالرسائل السياسية المضمنة والتي حاول من خلالها التقرب من الدروز ثانيةً على حساب السلطة، فاتّبع أسلوبًا من الأخذ والرد، اعتمد فيه على مغالطة اتهامات مقدمة البرنامج والتي تستند فيها إلى سردية السلطة، في محاولة لكسب بعض الآراء الدرزية في الداخل اللبناني، من خلال دعمه ضمنيًا مطالب الهجري ودروز سوريا اليوم في اللامركزية، خصوصًا أنه يقف اليوم في موقف حرج من انتخابات نيابية مقبلة ضاغطة على استمرارية سلطته الدرزية على الجبل بعد الشعور الكبير من دروز لبنان بخذلان جنبلاط لأقرانهم في سوريا.

خيانة، قد تحول الشرع إلى يهوذا الأسخريوطي

وفي الوقت نفسه، ألقى جنبلاط حملًا ثقيلًا على عاتق أحمد الشرع عندما دعاه إلى القصاص من مرتكبي الجرائم في السويداء. غير أن تنفيذ هذا المطلب، إن حدث فعلًا، سوف يعني أن الشرع سيضطر إلى تسليم رجاله الجهاديين الذين ارتكبوا تلك الجرائم إلى القضاء، وهو حدث جلل سيحوّله، بحكم النتائج، إلى يهوذا الأسخريوطي الذي سلّم المسيح عليه السلام إلى السلطات الرومانية مقابل ثلاثين قطعة من الفضة.

ومن المفارقات أن هذا السيناريو يبدو قريب التحقق، إذ أن الشرع قد وقّع فعليًا في البيت الأبيض في لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على انضمامه رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، الأمر الذي سيقوده غالب الظن إلى حرب شرسة ضد معظم الفصائل الجهادية التي جاءت معه إلى دمشق، والتي ترفض الانخراط في هذا التحالف أو الاعتراف بمفهوم الدولة المؤسساتية كما أرساها الغرب في القرن الماضي، وسيسلمهم للتحالف مقابل استمرار حكمه في رئاسة سوريا.

مستقبل الإعلام على المحك من جديد بعد القرار الأممي 2799

في السادس عشر من سبتمبر/أيلول الماضي، وقّعت الحكومة السورية الانتقالية، عبر وزير خارجيتها، خارطة الطريق الخاصة بمحافظة السويداء، وذلك أمام الضامنين الدوليين؛ الولايات المتحدة والأردن. وأكدت الوثيقة، ضمن أبرز بنودها، على التزام الحكومة بقيادة جهود ترسيخ سردية وطنية جديدة تقوم على الوحدة والتعددية والمساواة بين السوريين، إلى جانب تعزيز سيادة القانون.

كما شددت خارطة الطريق على ضرورة الإسراع في مواجهة خطاب الكراهية والحدّ منه، عبر إجراءات تشريعية وإعلامية تُجرّم هذا الخطاب وتعمل على منعه في الفضاء العام. غير أنّ تنفيذ هذه الالتزامات يمرّ أولًا عبر الإعلام الرسمي السوري، ولا سيما قناة «الإخبارية»، التي ما تزال تدار من قبل السلطة الحالية وتُتهم بتبنّي خطاب تمييزي يتعارض مع تلك المبادئ.

هذا الواقع يطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل الخطاب الإعلامي الرسمي: هل ستبقى «الإخبارية» صوتًا للسلطة التي نالت اليوم شرعية أممية إضافية عبر القرار 2799 المتعلق بمحاربة تنظيم داعش في أغلب مناطق سوريا عدا السويداء وشمال شرق سوريا في مناطق سيطرة الأكراد؟ علمًا أن السويداء كمحافظة تسكنها أقلية لا يوجد فيها خلايا داعشية أو تكفيرية ولا يمكن أن ينشأ بها هكذا نوع من المجموعات، بسبب عدم وجود تربة خصبة لهذا الفكر الأيديولوجي. أم أن المرحلة الجديدة ستدفع الإخبارية للتحول إلى منبر يقترب «ولو بشكل نسبي» من معايير حرية الصحافة والتعددية الإعلامية؟

 

مقالات الكاتب

سامر فهد

سياسي من السويداء، مختص في دعم الاندماج والمشاركة للمهاجرين واللاجئين في السياسة الألمانية.