من الأسد إلى الشرع… تغيّرت السلطة والمقتلة السورية مستمرة

إبنة داريا تشهد على مجزرة السويداء

 

تقع مدينة داريا السورية في محافظة ريف دمشق المحيطة بالعاصمة، تحديدًا إلى الجنوب الغربي من مدينة دمشق. وقد شكّلت هذه المدينة رمزًا للتحدي في وجه نظام بشار الأسد منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، إذ كانت من أوائل المدن التي صدحت شوارعها بالهتافات المطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية، وإسقاط نظام البعث ورأس سلطته. وعندما عجز النظام عن كسر إرادة أهلها، لجأ إلى الاجتياح العسكري العنيف في آب/أغسطس 2012، فارتُكبت مجزرة داريا الكبرى التي راح ضحيتها أكثر من سبعمائة إنسان. ثم فُرض على المدينة حصار خانق استمر من مطلع عام 2013 حتى صيف 2016، وانتهى بسيطرة قوات النظام عليها وتهجير من تبقّى من المقاتلين مع عائلاتهم نحو الشمال السوري، ضمن اتفاقيات التهجير القسري التي طالت مدنًا عدة في ريف دمشق ومحافظات أخرى.

ومع بداية الحصار، اضطر كثير من أهالي داريا إلى مغادرة مدينتهم هربًا من القصف والاعتقالات والخنق الغذائي الذي حرمهم من أبسط مقومات الحياة. فتوزع أبناؤها بين المدن السورية وهاجر كثيرون إلى الخارج بحثًا عن الأمان والحياة الكريمة التي سُلبت منهم قسرًا.

رحلة اللجوء من داريا إلى السويداء

تيسير مطر وزوجته في داريا

يقول السيد أبو شادي تيسير مطر، والد الشهداء غياث وحازم وأنس مطر، في مقابلة أجرتها الصحفية هزار الحرك عبر بودكاست حواري، إنه غادر داريا عام 2013 مع أسرته إلى مدينة أشرفية صحنايا ذات الغالبية الدرزية، لكن ابنه حازم اعتُقل بعد أشهر على أحد حواجز النظام، فاضطر الأب المكلوم إلى الرحيل مجددًا نحو السويداء — عاصمة الدروز في سوريا — حيث استقر لأكثر من عقد من الزمن.

ويتابع أبو غياث (الاسم الذي يناديه به السوريون)، والد الشهيد غياث مطر الذي غدا أيقونة الثورة بعد أن عُرف بمبادرته السلمية بتقديم الزهور لرجال الأمن، قائلًا: “عندما وصلنا إلى السويداء، استقبلنا شاب وصبية من أبناء المحافظة، سألونا عن حاجاتنا الأساسية، وطلبوا منا عدم الخروج إلى السوق حرصًا على سلامتنا من أي اعتداءٍ أو مضايقة من عناصر الأمن والمخابرات في المدينة. وبعد يومين نقلونا إلى منزل مفروش تبرّع به أحد المغتربين من آل عامر، وأقمنا فيه عامًا كاملًا دون مقابل”.

ويضيف بامتنان: “كان أهالي السويداء عونًا حقيقيًا لنا ولغيرنا من النازحين، احتضنونا كما لو كنا من أبنائهم، وساعدونا على تجاوز محنتنا، مؤمّنين لنا إقامة كريمة خلال غربتنا القسرية التي امتدت لعشر سنوات. ومع ذلك، لم تسلم ذكرياتنا من الألم، فقد استولى بعض معارفنا على منزلنا في داريا مستغلين ضعفنا وغربتنا، ولهذه الأسباب غادرنا المحافظة عام 2023 لإستعادة ممتلكاتنا”.

ويواصل شهادته قائلًا: “عدنا إلى السويداء بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وكان استقبال الأهالي مشهدًا لا يُنسى. أقاموا احتفالًا مهيبًا في ساحة الكرامة احتفاءً بعودتنا وبذكرى أبنائي الشهداء غياث وحازم وأنس. بدا الاحتفال كزفافٍ رمزيٍّ لهم، وكأن الفرح عاد ليزور قلوبنا بعد سنين من الحزن. شعرت بأن السويداء لا تحتضننا فحسب، بل تحتضن معنى الثورة ذاته”.

تحمل شهادة أبو غياث معاني التضامن الإنساني والوطني الذي أظهره أهالي السويداء خلال استقبالهم لأكثر من 200 ألف نازح خلال الثورة، لكنها لم تحظَ بتغطية إعلامية كافية رغم أهميتها في تسليط الضوء على الدور الفريد للمحافظة، التي حافظت طوال سنوات الثورة على حيادها النسبي دون أن تنأى بنفسها عن نبض الشارع السوري. فعلى الرغم من خروج مظاهرات شبابية سلمية فيها منذ عام 2011، بقيت بمنأى عن القصف الذي دمّر مدنًا أخرى، لما تمثّله من خصوصية طائفية في نظر النظام، إذ تُعدّ موطن الأقلية الدرزية التي حاول الأسد استثمار استقرارها في دعايته أمام الغرب، مقدّمًا نفسه بصفة “حامي الأقليات”.

ومن الجدير بالذكر أن شهادة أبو غياث صُوّرت في نهاية عام 2024 وعُرضت في شباط/فبراير 2025، أي قبل المجازر التي شهدتها مدينتا صحنايا وجرمانا في أيار/مايو، والمجزرة الكبرى التي استهدفت دروز السويداء في تموز/يوليو من العام نفسه. وربما ساهم توقيت عرضها في محدودية انتشارها الإعلامي، إذ سبقت أحداثًا مأساوية غيّرت المشهد السوري برمّته، فغابت أهميتها حينها عن دائرة الضوء التي انشغلت بتطورات أكثر دموية وقسوة.

كشفُ المجزرة وتفنيدُ رواية السلطة

الأشقاء الثلاث الذين قتلوا في سجون النظام

في مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، انتشرت على نطاق واسع شهادة إيناس مطر، ابنة تيسير مطر وأخت الشهداء غياث، حازم، وأنس مطر الذين قضوا في سبيل الحرية والكرامة. جاءت شهادتها بعد ثلاثة أشهر فقط من المجزرة المروّعة التي استهدفت أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، فكسرت صمتًا طويلًا خيّم على معظم السوريين الذين عرفوا أهلها منذ اندلاع الثورة، لتفتح جرحًا لم يندمل بعد.

ظهرت السيدة إيناس عبر منصة “الراصد” وهي إحدى المنصّات الإعلامية المحلية في السويداء لتروي شهادتها المؤلمة في وقتٍ حساس تواجه فيه المحافظة حملة إعلامية منظّمة، خصوصًا من بعض القنوات العربية، حاولت تصوير الدروز على أنهم جماعة معتدية على البدو وعلى الدولة السورية ممثلة بسلطة هيئة تحرير الشام.

إلا أن شهادتها جاءت لتفنيد تلك السرديات الزائفة وكشف كذب الرواية الرسمية التي زعمت أن الدروز يختطفون المسلمين داخل المحافظة وأن الشيخ حكمت الهجري يحتكر القرار ويكمّم الأصوات الأخرى. أكدت إيناس أن ما جرى في السويداء كان هجومًا ممنهجًا ومدروسًا، هدفه كسر إرادة الأهالي عبر ضرب أكبر كتلة سكانية درزية، وتحطيم كرامتهم ومحو إنسانيتهم.

وروت قائلة: “بدأ الهجوم بقصفٍ عنيف فوق رؤوسنا. كنا مجموعة من المدنيين — نساءً وأطفالًا — احتمينا في شقتي على طريق قنوات داخل المدينة. جاءت إلينا ممرضات من المستشفى المجاور طلبًا للأمان، وبقينا جميعًا محاصرين لأكثر من أربعة أيام في خوفٍ وجوعٍ وانكسار”.

وتتابع بصوتٍ متهدّج: “من نافذتي رأيت مسلحين غرباء عن مدينتنا، لا يشبهون أبناء السويداء ويرتدون ملابس مموهة. كانوا يتحركون بعنفٍ وفوضى، ينهبون المحلات والمنازل ويشعلون النار فيها، ويطلقون الرصاص على المدنيين بقتلٍ منظّمٍ ومتعمّد. لم يدخلوا منزلي ربما لأن بنايتنا قديمة، لكنني رأيتهم يقتحمون الأبنية المجاورة واكتشفت لاحقا أنهم قتلوا جيراننا وأصدقاءنا”.

ثم تضيف بأسى: “في اليوم الذي أُعدم فيه شباب عائلة السرايا في الساحة العامة، سمعت الرصاص ينهمر بلا توقف. لم أعرف حينها من الضحايا، لكنني علمت لاحقًا أن المشهد كان إعدامًا ميدانيًا حقيقيًا لثمان أفراد من العائلة، صُوّر لبثّ الرعب في قلوبنا جميعًا”.

وتقول بعدها: “بينما كنا محاصرين داخل المنزل، وصلني خبر نزل عليّ كالصاعقة: مقتل الدكتور طلعت عامر، الطبيب النبيل الذي ترك بصمات خيّرة في حياة الكثيرين، خاصةً في درعا. حين علمت أنه أُعدم وهو في طريقه لإسعاف الجرحى، شعرت أن الموت فقد معناه، وأن الإنسانية تُذبح بلا رحمة”.

المسلحون الغرباء

وتكمل بألم: “لم يكتفوا بذلك، بل نهبوا محلاتي في السوق، كسروا الأبواب وأحرقوا البضائع والمعدات. دمّروا رزقي ورزق جيراني، ومع ذلك لم أكن وحيدة؛ وقف معي أهل السويداء منذ قدومي إليها كما يقف الأخ لأخته، يسألونني يوميًا: هل تحتاجين شيئًا؟ كانت كلماتهم بلسمًا لجراحي، فقد جمعنا الوجع ووحّدتنا المأساة”.

ثم تستطرد قائلةً: “السويداء احتضنتني كما لو كنت ابنتها، ولن أتركها أبدًا. إنهم أهلي وجزء من دمي وذاكرتي. نعم، رحل بشار الأسد وجاء غيره، لكن الوجوه تغيّرت والممارسات بقيت ذاتها. ما يقلق حقًا هو تصاعد الخطاب الطائفي حتى على المستوى الرسمي، في مشهد يهدد ما تبقى من نسيج هذا الوطن.”

وتختتم بصراحة: “ما جرى في السويداء لم يكن معركةً عابرة، بل اجتياح وإبادة للطائفة الدرزية”.

من المجزرة إلى حملة الكراهية: معركة الرواية الحقيقة في خطر

كانت شهادة إيناس مطر صادمة للرأي العام السوري، إذ أعادت رسم الحقيقة المغيّبة وأكدت أن ما تعرّض له دروز السويداء كان هجومًا وحشيًا منظّمًا نفذته مجموعات متعددة، هدفها القضاء على الوجود الدرزي وسرقة الممتلكات واغتصاب الأراضي، إلى جانب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. وتشير الشهادة إلى أن هذه الجرائم ارتُكبت على يد قوات تابعة لما يُعرف بـ”السلطة الانتقالية” بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، في واحدة من أكثر اللحظات ظلمةً في الحقبة الرابعة من تاريخ سوريا، حقبة ما بعد الديكتاتورية كما وصفها المفكر ياسين الحاج صالح.

لكن شهادتها لم تمرّ مرور الكرام؛ فقد أعقبها هجومٌ شرس من التهديدات والتحريض ومحاولات لطمس الحقيقة عبر الدعوة إلى “تحريرها من الأسر”، كما زعم بعض الإعلاميين الموالين. فبعد بثّ مقابلتها التي قالت فيها صراحة: “بشار الأسد ما راح”، اشتعلت مواقع التواصل بحملة كراهية من أنصار السلطة وصحفيين مقربين منها، اتهموها بالتشهير وبالحديث تحت الإكراه.

في المقابل، أطلق عدد من الصحفيين والناشطين السوريين حملات تضامن واسعة معها، أبرزهم الصحفي السوري-الأميركي إياد شربجي، ابن مدينة داريا، الذي نشر مقابلة مصوّرة مع إيناس مطر عبّر فيها عن استنكاره للهجوم ضدها، مفنّدًا مزاعم بعض من يُعرفون بـ”صحفيي البلاط الدمشقي” أمثال قتيبة ياسين وغيرهم.

وكشفت ايناس خلال اتصالها بالفيديو مع الصحفي شربجي عن جانبٍ قلّما تحدّث عنه الإعلام وقالت: “تواصلت مع عدد من الأهالي السنة، وخصوصًا من البدو، الذين أُجبروا على الرحيل بعدما داهمت قوات السلطة منازلهم واتهمتهم بأنهم يعيشون بين “الكفار الدروز”. تم ترحيلهم قسرًا، رغم أن عائلات سنّية كثيرة ما زالت تعيش في السويداء بسلام، وهو ما يدحض روايات الكراهية التي تروّجها بعض الجهات”.

مسلحون لا يشبهون أبناء السويداء

وفي حديثها، ناشدت إيناس العالم إنقاذها من سيل الرسائل والتهديدات التي لاحقتها وستلاحقها من الموالين للسلطة الانتقالية لأنها قالت الحقيقة عمّا جرى في السويداء، مؤكدة أنها لم تنطق سوى بما شهدته بعينها.

لقد كانت شهادتها مصدر فخر واعتزاز لأبناء السويداء داخل المحافظة وخارجها، ولعدد كبير من السوريين المتضامنين، لأنها جاءت من سيدة سنّية تعيش بين الدروز، في وقتٍ تحاول فيه بعض الأطراف إذكاء روايات طائفية مغرضة تتهم الدروز بالعداء للسنّة و لأنها أيضاً ساهمت في تعزيز سرديتهم عما حصل معهم عند الهجوم من السلطة وميليشياتها على المحافظة. كانت كلماتها جسرًا للثقة والإنسانية، نقضت خطاب الكراهية وأعادت التذكير بحقيقةٍ غابت طويلًا: أن الدم السوري واحد، والمأساة لا تفرّق بين طائفةٍ وأخرى.

اليوم، ما تزال السويداء ترزح تحت حصار خانق منذ أكثر من مئة يوم. تدخلها أحيانًا قوافل أممية بكميات محدودة، بعد دفع مبالغ كبيرة كـ”إتاوات” للفصائل المسلحة على الحواجز. أما أطرافها الغربية والشمالية فما تزال تحت الاحتلال الكامل، وتتناثر في القرى جثثٌ لم تُدفن بعد منذ المجازر الأخيرة، في مشهدٍ يفطر القلب. ويستمر نزوح أكثر من 190 ألفًا من أبناء القرى المحتلة الى السويداء بحثًا عن الأمان، فيما يقف العالم صامتًا أمام كارثة إنسانية متفاقمة تكشف عمق الجرح السوري الذي لم يندمل بعد.

مقالات الكاتب

سامر فهد

سياسي من السويداء، مختص في دعم الاندماج والمشاركة للمهاجرين واللاجئين في السياسة الألمانية.