التفتيش المركزي يتجاوز مجلس الوزراء وأنطوان شقير… الشاهد الصامت

صدر مؤخراً مرسوم عن رئيس الجمهورية يقضي بنقل نحو عشرين رئيس دائرة من إدارات الدولة إلى التفتيش المركزي بصفة مفتشين معاونين، من دون أن يُنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية حتى الساعة، ومن دون التأكد من تنفيذ الملاحظات الإلزامية التي وضعها مجلس الخدمة المدنية، رغم أنّ قرار مجلس الوزراء الذي وافق على النقل اشترط صراحة الأخذ بهذه الملاحظات.

ورغم ذلك، جرى التعامل مع المرسوم وكأنه نافذ، وبوشر بتنفيذه فعلياً داخل التفتيش المركزي، في مخالفة قانونية واضحة تطال أصول التعيين، وشرعية المرسوم، وصلاحيات المؤسسات الدستورية المعنية. فما الذي حصل تحديداً؟

في مرحلة أولى، أصدر مجلس الخدمة المدنية قراراً (رقم 646 تاريخ 05/09/2025) بنقل ما يقارب عشرين رئيس دائرة من مختلف إدارات الدولة إلى التفتيش المركزي، على أن يتم ذلك بصفة مفتشين معاونين، وبعد تنفيذ ملاحظات محددة تتعلق بالشروط والمعايير الواجب توافرها في المنقولين. وقد اقترن هذا القرار لاحقاً بموافقة مجلس الوزراء (قرار رقم 57 تاريخ 23/10/2025) التي لم تكن مطلقة، بل مشروطة صراحة بالأخذ بملاحظات مجلس الخدمة المدنية.

في 05/01/2026 صدر مرسوم عن رئيس الجمهورية يقضي بتنفيذ عملية النقل. غير أنّ هذا المرسوم، حتى تاريخه، لم يُنشر في الجريدة الرسمية، ما يجعله، وفق أحكام القانون الإداري والاجتهاد المستقر، غير نافذ وغير قابل للتنفيذ، ولا يُرتّب أي أثر قانوني.

في الإشكالية القانونية والإدارية، تنص القواعد بوضوح على أنّ المرسوم لا يصبح نافذاً إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية، ولا يُفتح باب الطعن فيه إلا بعد هذا النشر ولمدة شهرين. كما أنّ أي إجراء إداري يُتخذ استناداً إلى مرسوم غير منشور يُعدّ باطلاً بطلاناً مطلقاً، ولا يُنتج أي أثر قانوني صحيح.

الإشكالية لا تقتصر على عدم النشر فحسب، بل تمتدّ إلى غياب أي دليل على تنفيذ ملاحظات مجلس الخدمة المدنية التي شكّلت أساس الموافقة الحكومية. فالمسار الذي فُرض لاحقاً تجاوز مجلس الخدمة المدنية عملياً، في عملية خرق مباشر لمبدأ تسلسل القواعد ولصلاحيات المؤسسة المختصة بحماية النظام الوظيفي في الدولة.

في هذا السياق، يتحمّل رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية مسؤولية مباشرة، إذ تصرّف وكأنّ المرسوم نافذ، فباشر فعلياً بنقل المعنيين إلى التفتيش، وفتح لهم دورة تدريبية وفق معايير وضعها بنفسه، وبإشراف أشخاص لا تتوافر فيهم الشروط القانونية أو الوظيفية المطلوبة، فارضاً أمراً واقعاً على الإدارة وعلى الدولة.

ولا تقلّ مسؤولية مدير عام رئاسة الجمهورية الدكتور أنطوان شقير خطورة عن مسؤولية عطية. فبحكم موقعه، هو الجهة الأولى المخوّلة تنبيه رئيس الجمهورية إلى أي مخالفة قانونية أو إجرائية قبل توقيع أي مرسوم. ومع ذلك، لم يُسجَّل أي اعتراض أو ملاحظة تتعلّق بشرعية التعيين أو بآليته، ما سمح بمرور المرسوم وكأنّ المخالفة غير موجودة.

وتتعمّق هذه المسؤولية أكثر حين يتبيّن أنّ شقير نفسه عُيّن لاحقاً رئيساً لإدارة الموظفين في مجلس الخدمة المدنية، أي في الموقع الذي يُفترض أن يكون الضامن الأول لاحترام الأصول والمعايير. وهو ما يثير التساؤل حول منطق تدوير المواقع داخل منظومة واحدة تتقاسم الصمت بدل أن تمارس الرقابة والمساءلة.

ما يجري سابقة خطيرة تُقوّض مبدأ المشروعية، وتُفرغ دور مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي من مضمونهما الرقابي. كما أنّ صرف أي رواتب أو مستحقات، بما فيها الزيادات، لموظفين جرى نقلهم استناداً إلى مرسوم غير نافذ، يُعدّ مخالفة صريحة تُعرّض الجهات المعنية، ولا سيما وزارة المالية، لمسؤولية مباشرة كشريك في هذا التجاوز.

في المحصّلة، نحن أمام اختبار فعلي لهيبة القانون: إمّا تصحيح هذا المسار ووقف تنفيذ المرسوم إلى حين نشره وتنفيذ شروطه كاملة، وإمّا التسليم بأن الرقابة في الدولة اللبنانية باتت شكلاً بلا مضمون، وأن المحاسبة باتت في «خبر كان».

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.