الرمزية والمستحيل… من ثلوج «ستالينغراد» إلى تلال «بنت جبيل»

تحليل – خاص «بيروت 2030»

تتشابه تضاريس التاريخ، وتتقاطع مسارات القدر حين يقرّر الدم كتابة التاريخ والجغرافيا من جديد، فتتحوّل المدن من مجرد إحداثيات مرسومة على الخرائط العسكرية إلى قلاع تسكن الوجدان الجمعي، وتكسر كبرياء الإمبراطوريات التي ظنت يوماً أنها فوق الهزيمة.

لم تكن ستالينغراد، في أربعينيات القرن الماضي، مجرد مدينة صناعية رابضة على ضفاف نهر الفولغا، بل كانت العقدة النفسية الكبرى التي قرر «أدولف هتلر» أن يكسر فيها إرادة السوفييت، ويُنهي داخلها صمود «الجيش الأحمر» بوصفها بوابة للسيطرة على العالم. تماماً كما تبدو مدينة بنت جبيل اليوم في عقلية المؤسسة الأمنية والعسكرية في تل أبيب. فهي ليست مجرد بلدة حدودية وادعة في جنوب لبنان، بل هي «عاصمة المقاومة» التي وُلد من رحمها خطاب تاريخي أعلن للعالم أن القوة التي صُنِّفت يوماً كواحدة من أقوى ترسانات العالم قد غدت، في حقيقتها، «أوهن من بيت العنكبوت».

يستعيد المشهد الراهن، ونحن على أعتاب مفاوضات دبلوماسية شاقة في واشنطن، ذكريات ملحمة تموز عام 2006، حين وقفت مدرعات «الميركافا» الفارهة عاجزة عند تخوم «مربع التحرير» في مدينة بنت جبيل، ليبقى الفشل في السيطرة عليها غصّة مزمنة وجرحاً نرجسياً في قلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

واليوم، يحاول الجيش الإسرائيلي تكرار المحاولة، مدفوعاً برغبة محمومة لانتزاع صورة نصر معنوية يرفعها فوق ركام هذه المدينة قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، ظناً منه أن استعراض القوة في أزقتها قد يمحو أثر ذلك الخطاب الذي شكّل وعي أجيال بأكملها، أو يرمّم الردع الذي تآكل تحت وطأة الصمود الأسطوري.

إنها ليست معركة على تلة أو شارع، بل هي معركة على «المعنى». إنها محاولة يائسة لكيّ الوعي العام، حيث يغدو الهدف الاستراتيجي العسكري ثانوياً أمام الرغبة الجامحة في تحطيم الرمزية التي تمثلها مدينة بنت جبيل كأيقونة للصمود الشعبي الذي هزم التكنولوجيا العسكرية وتفوّقها الساحق.

إن مقاربة «بنت جبيل» بنموذج «ستالينغراد» ليست شطحة إنشائية، بل هي خيط رفيع لا يراه البلاغيون، بل يراه العسكريون. إنه خيط المدن التي لم تكن يوماً مجرد حجارة، بل كانت تجسيداً حياً لاستحالة الانكسار، حيث تتهاوى هيبة الجيوش أمام عناد الأرض.

في الحرب العالمية الثانية، استنزفت ألمانيا النازية خيرة فيالقها ونخبة سلاحها الجوي في شوارع ستالينغراد، لأن سقوطها كان يعني، رمزياً، سقوط «الروح القتالية» للاتحاد السوفيتي، وفتح الطريق نحو الانهيار النفسي الشامل.

لكن النتيجة كانت انقلاب السحر على الساحر، إذ تحولت المدينة إلى مقبرة كبرى للغزاة، ومنطلق فعلي لتحرير أوروبا برمتها. وبالمثل، تدرك القوى الاستعمارية دائماً أن القوة الصلبة، مهما بلغت كثافتها النارية، تظل جوفاء وعاجزة إذا فشلت في تطويع الإرادة الشعبية.

ومن هنا يأتي الإصرار الإسرائيلي اليوم على محاولة «ترويض» مدينة بنت جبيل، رغبةً في دخول أروقة السياسة الدولية وفي جعبتها وهم كسر الرمز الذي لطالما أرق قادتها ومنعهم من فرض شروطهم. فهي لا تريد وقف الاعتداءات على لبنان خلال التفاوض في واشنطن من أجل هذا تحديداً، بل تسعى لانتزاع صورة «نصر» ميداني يمنحها اليد العليا على طاولة القرار، ويُشرعن شروطها تحت وطأة النار.

ويمكن وصف هذا العنفوان الجارف الذي تبديه الشعوب في حماية مدنها الرمزية بأنه «المناعة التاريخية الفطرية»، وقمة «الكرامة النفسية». إنه التجسيد الحي لرفض الهزيمة في زمن الانكسار، حيث تتوقف المدينة عن كونها مجرد كتل من الإسمنت والحجر، لتصبح امتداداً بيولوجياً وروحياً للهوية والكرامة.

هذا العنفوان هو الطاقة الغامضة التي تحوّل الفقر إلى غنى في الصمود، والحجارة الصماء إلى سدود منيعة، وتجعل من معادلة «بيت العنكبوت» حقيقة ميدانية لا تقبل التأويل.

إنه يثبت للعالم أجمع أن الجيوش، مهما امتلكت من طائرات ذكية وقنابل خارقة للتحصينات، تبقى عاجزة أمام إنسان يرى في ذرات تراب مدينته عرضاً مقدساً لا يقبل المقايضة، ولا يلين تحت وطأة الضغوط.

سيبقى صمود بنت جبيل، تماماً كما كان صمود ستالينغراد، الشاهد الأبدي على أن الرمزية المعنوية هي التي ترسم الخطوط الحمراء الحقيقية على طاولات التفاوض، وهي التي تمنح الدبلوماسية ثقلها، لأن من يحمي الرمز في الميدان هو وحده من يمتلك الحق في كتابة خاتمة الحرب.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.