يولد الإنسان عاريًا من كل اختيار، كما لو أُلقي فجأة في هذا الوجود بلا تمهيد، بلا استئذان. يصرخ للمرة الأولى لا لأنه يعرف الألم، بل لأن الحياة صاخبة ومباغِتة، تصفعه بقوانينها منذ اللحظة الأولى. هذا الصراخ العفوي يتحوّل لاحقًا إلى لغة، ثم إلى هوية، ثم إلى دين، ثم إلى مذهب، إلى قومية، إلى جنس، إلى جنسية، وكلها طبقات تتراكم فوق روحه، تُمنح له قسرًا لا طوعًا.
فالإنسان لا يُسأل قبل أن يولد: أي أرض تريد؟ أي دين تختار؟ أي لغة تفضل؟ أي سردية تحب أن تُلقَّن؟ بل يجد نفسه في عالم قد تقررت فيه كل هذه التفاصيل مسبقًا، وكأنّه ورث حياة كاملة بغير أن يُمنح فرصة النظر في شروطها.
هذا ما يسميه السوسيولوجيون “الهوية المُعطاة”،وهي ليست إنجازًا، بل قالب يُصَبُّ فيه الفرد منذ لحظاته الأولى.
الهوية: من القيد إلى القداسة
إنّ ما نُسميه “هوية” ليس دائمًا فضاءً للانتماء الحر، بل كثيرًا ما يكون قيدًا ذهنيًا مغلفًا بكلمات براقة: الأصالة، الإيمان، الشرف، النقاء، الجذور… لكن خلف هذا اللمعان، تختبئ آليات معقدة لإنتاج الولاء والتبعية. فالإنسان يُلقَّن منذ نعومة أظافره أن هذا الدين هو الحق، وهذه الطائفة هي الطائفة الناجية، وهذه الأرض هي “أطهر” من غيرها، وهذا العرق هو الأرقى، وهذه اللغة “لغة الجنة”.
ويُربّى في ظلال هذه الأفكار وكأنها حقائق نهائية، غير قابلة للنقد، غير خاضعة للنسبية، ولا تحتاج إلى دليل.
الهوية، بهذا المعنى، لا تنمو معه، بل تُفرض عليه، وتصبح جزءًا من كيانه دون أن يعي أنه لم يخترها. وهنا مكمن الإشكال: كيف يتحوّل ما لم نختره إلى معيار نحاكم به الآخرين؟ كيف نبني مواقفنا الأخلاقية والاجتماعية والسياسية على أسس لم نشارك أصلًا في اختيارها؟
مصادفة الولادة وأسطورة التفوق
ما نسميه “الانتماء” غالبًا ليس إلا نتيجة مصادفة جغرافية. فمن وُلد في قرية شيعية بلبنان مثلًا، سيُربّى غالبًا على منظومة سردية معينة عن التاريخ والدين والمذهب، وسينظر إلى العالم من خلال عيون هذه الجماعة.
وفي المقابل، من وُلد في بيت سلفي في الرياض، أو بيت ماروني في بيروت، أو علماني في باريس، ستُبنى هويته ضمن سرديات أخرى تمامًا، وكل منها تعتقد أنها وحدها تمتلك الحقيقة.
هكذا يتحول الوعي الجمعي إلى مرآة مشوَّهة: الكل يرى نفسه محور العالم، والآخر “نقصًا” أو “ضلالًا” أو “جهلًا”. والكارثة أن هذا المنطق لا ينبني على تفكير نقدي، بل على منطق “نحن هكذا، لأننا كنا هكذا”. أي أن “الحق” يتحول إلى تراث، و”الخطأ” إلى غريب.
والأدهى من ذلك، أن هذه المصادفة تتحوّل إلى أسطورة تفوق. فنسمع من يقول: نحن أفضل لأننا مسلمون، أو لأننا عرب، أو لأننا أتباع أهل البيت، أو لأننا أبناء أوروبا، أو لأننا بيض البشرة، أو لأن لغتنا هي الأقدم. وكأنّ التفوق الأخلاقي أو الإنساني أمر يولد مع الجينات، لا يُكتسب بسلوك أو فكر أو مسؤولية.
الآخر كضرورة هوياتية
في النظرية الاجتماعية، لا تقوم أي هوية إلا على وجود “آخر” يُعرَّف باعتباره نقيضًا لها. نحن لا نعرف أنفسنا إلا بالمقارنة: نحن مسلمون لأن هناك “كفار”، ونحن عرب لأن هناك “عجم”، ونحن شيعة لأن هناك “سنة”، ونحن بيض لأن هناك “سود”. وهكذا يصبح “الآخر” ضرورة بنيوية لبناء “الأنا”.
لكن المشكلة ليست في وجود الآخر، بل في تشويهه، في تشيطَنه، في استخدامه كمرآة تؤكد لنا ما نودّ تصديقه عن أنفسنا. نُحمّل الآخر كل نقائصنا، وننسب إليه كل تهديد، ونبني عليه أسوار الخوف والكراهية، لنبقى نحن في مأمن من الشك، ومن احتمال أن نكون… مجرد وجه آخر للغريب.
ماذا لو جلسنا على طاولة واحدة مع ذلك “الآخر”؟ ماذا لو اكتشفنا أنه لا يقلّ إنسانية، ولا أكثر ضلالًا، ولا أقل قيمة؟ هنا تبدأ أسس الهوية بالاهتزاز، لأنك تدرك فجأة أن ما قيل لك عن “الحقيقة” المطلقة، قد يكون مجرد وجهة نظر محلية، جغرافية، مؤقتة.
من الهوية إلى الطوطم
حين ترتفع الهوية فوق النقد، تتحول إلى طوطم. والطوطم، في الأنثروبولوجيا، هو ذلك الرمز المقدّس الذي تُبنى حوله الأساطير، ويُمنح سلطة معنوية لا تُمس. وهكذا تتعامل مجتمعاتنا مع الدين والمذهب والعرق والقومية: لا بوصفها خيارات ثقافية، بل “مقدسات” تُحاط بالتحريم، وتُمنع عنها الأسئلة.
فنحن لا نؤمن، بل نُلقَّن. ولا نختار، بل نُبرمَج. ولا نُفكر، بل نُكرّر. والويل لمن يشكّك، أو يسأل، أو يخرج عن السطر.
الإنسان بوصفه مشروعًا أخلاقيًا
لكن وسط هذه الطبقات، يوجد كائن هشّ اسمه “الإنسان”. إنه أسبق من أي هوية، وأعمق من أي طائفة، وأرحب من أي جغرافيا. إنه مشروع أخلاقي، لا منتج ثقافي فقط. أي أنه يملك – رغم كل الموروثات – حرية أن يقول: لا. أن يعيد التفكير، أن يُمسك بزمام وعيه، أن يختار الاحترام بدل الكراهية، أن يُمارس النقد بدل الولاء الأعمى، أن يُنقذ نفسه من لعنة المصادفة.
في النهاية، كل ما لم نختره لا يجب أن يتحوّل إلى معيار نحاكم به الآخرين. دينك، مذهبك، قوميتك، لغتك، جنسك، لونك… ليست فضائل، بل ظروف. لكن الاحترام.. هو الفضيلة الوحيدة التي يولدها الوعي.
نحو إنسانية ما بعد الهوية
العالم اليوم أكثر ارتباطًا وتداخلًا من أي وقت مضى، ومع ذلك، لا تزال المجتمعات تُنتج كراهيات جديدة تحت أسماء قديمة. نقتل بعضنا باسم “الحقيقة”، ونبني الجدران باسم “الطهر”، وندمّر الإنسان باسم الله، أو الوطن، أو الجماعة.
لكن آن الأوان أن نعيد ترتيب الأولويات: لا قداسة تعلو فوق الكرامة، ولا انتماء يسبق الإنسان.
الإنسان ليس حزمة أفكار مسبقة، بل إمكانية مستمرة. هو سؤال لا إجابة نهائية له، وهو بحث لا نهاية له. ولعل أجمل ما فيه أنه – وسط هذا الضجيج الهوياتي – يستطيع أن يقف، أن يتأمل، أن يختار.
الامتثال الطوعي والهوية المُستبطَنة
ليست الهوية دائمًا قيدًا مفروضًا خارجيًا فحسب، بل قد تتحول إلى امتثال طوعي يستبطنه الإنسان ويُعيد إنتاجه بنفسه، دون أن يشعر. فالفرد لا يحتاج إلى رقابة خارجية كي يلتزم بالهوية التي نشأ عليها، بل غالبًا ما يُراقب نفسه بنفسه، ويخضع لسلطة “الهوية” كما يخضع المؤمن لسلطة الإله.
يتجسّد هذا في ظواهر عديدة: حين يُسارع أحدنا إلى الدفاع عن “قومه” أو “مذهبه” لمجرد أنهم “منه”، دون أن يسائل الموقف، أو حين يبرّر السلوك العنيف أو العنصري لأنه صادر عن “أهله”، أو حين يختزل العدالة في طائفته، والخير في قبيلته، والحق في لونه.
هنا، تتحول الهوية من انتماء ثقافي إلى عقيدة مغلقة، لا تسمح بالتفكير خارجها. فيصبح الانتماء أشبه بقدر، والتمرد عليه نوعًا من الخيانة الذاتية. والنتيجة؟ مجتمعات منغلقة، تحرس أوهامها بالولاء، وتغلق نوافذها في وجه الشمس خوفًا من نسمة شك.
الهوية والسلطة: تحالفات خفية
لا يمكن الحديث عن الهوية دون استحضار علاقتها بالسلطة. فغالبًا ما تستخدم الأنظمة السياسية الهويات القائمة – دينية، طائفية، عرقية – كأدوات للضبط الاجتماعي. تُشجّع انقسام الناس إلى جماعات متناحرة، لأن الطوائف المشتتة أضعف من أن تطالب بالعدالة.
وهكذا تُصبح الهوية أداة في يد السلطة، تُعيد بها ترتيب الخريطة الاجتماعية وفق مبدأ: “فرّق تسُد”. لكن المعضلة الأخطر ليست فقط في الاستغلال السلطوي، بل في استعداد الجماعات نفسها للانجرار خلف هذه اللعبة، لأنها تجد فيها طمأنينة نفسية، وشعورًا بالانتماء، وسندًا وجوديًا في عالم مضطرب. إنها تبحث عن اليقين في جماعة، وتبحث عن الأمان في تشابه، وتخاف من الفردانية كما يخاف الطفل من الظلام.
لذلك، فإن تفكيك الهوية لا يعني بالضرورة إلغاء الانتماء، بل يعني تحريره من التحالف مع السلطة، ومن اختزال الإنسان في بعد واحد. فالإنسان أوسع من مذهبه، وأغنى من قوميته، وأكثر تعقيدًا من أي توصيف جاهز.
نحو هوية نقدية لا غريزية
لسنا هنا ندعو إلى “التجرد من الهوية”، فهذا طرح ساذج يتجاهل أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن الانتماء حاجة نفسية أصيلة. بل ما ندعو إليه هو هوية نقدية، مرنة، مفتوحة، لا تختزل الذات في قالب، ولا تحوّل المختلف إلى عدو.
هوية تعترف بأنها جزء من العالم، لا نواته. هوية تسأل: “من أنا؟”، لا لتُعيد إنتاج ما لُقّنت، بل لتختبره، وتختار منه ما يتوافق مع ضميرها. هوية لا تنطلق من الخوف، بل من الثقة؛ لا تُبنى على رفض الآخر، بل على فهمه، حتى وإن اختلفنا معه.
الهوية النقدية هي الهوية التي تعرف أن الإنسان لا يُختزل في بطاقة تعريف، ولا يُقاس بمكان ولادته، ولا يُحاكَم بحسب لغته الأم أو اسم أمه. هي هوية تسعى إلى الحق، لا إلى الغلبة، وإلى العدالة، لا إلى الاصطفاف.
في النهاية، نحن نولد دون أن نختار شيئًا، لكننا نعيش بقدرتنا على الاختيار. لا أحد يُلام على ما وُلد عليه، لكن كلٌّ يُسأل عمّا قرر أن يؤمن به حين بلغ سنّ الوعي. لا أحد يمتلك فضلًا أخلاقيًا في كونه من جماعة ما، أو تحت راية ما.
الفضل الحقيقي هو في كيف نعيش مع الآخر، لا كيف نُفاضل عليه. في قدرتنا على أن نُبقي القلب مفتوحًا، ولو أُغلقت الأبواب. في هذا العالم المُقسَّم، المتشظي، المتوجِّس، تبقى الإنسانية هي الخيط الوحيد القادر على ربط المتنافرات، والخطاب الوحيد الذي لا يحتاج إلى سلاح.
الاحترام، التعاطف، الانفتاح، التأمل، كلّها ليست شعارات نُجمّل بها النصوص، بل أدوات للبقاء بكرامة. فلتكن لنا الشجاعة أن نسائل ما ورثناه، ونراجع ما آمنا به، ونُعلي صوت الإنسان فينا على ما سواه. لأننا، قبل أن نكون أبناء دين أو طائفة أو لغة… نحن أبناء هذا الهشيم الذي يُدعى: إنسان.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
