في زاويةٍ مظلمة من تراثٍ ثقيل، خرج علينا “العالِم الفهَّامة” متوشّحًا عمامته كأنها إلهامٌ من السماء، يلوّح بعصاه لا ليفلق بها البحر، بل ليجلد بها العقول. هو شيخٌ إن نطَق، تفوّه بخرافة وغلو، وإن سُئل، أفاض في الجهل كأنه بحرٌ لا قرار له. تتلمذ على يد التكرار، وتخرّج من جامعة “قال فلان عن علّان”، أما العقل والمنطق والتاريخ، فهي عنده مؤامرات ماسونية.
العالِم الفهَّامة لا يرى في الدين سوى سوطًا وجدارًا وقيدًا. يسرد الفتاوى كما يُسرد الحطب في نار الجحيم، ويقيس العصر الحديث بمسطرة القرن الثاني الهجري. إذا رأى امرأةً قال: فتنة. وإذا سمع موسيقى قال: زندقة. وإذا قرأ كتابًا لم يفهمه، قال: ضلال مبين.
هو العالِم الذي يعرف عدد الحوريات في الجنة، لكنه لا يعرف عدد الجائعين في بلده. يحفظ أسماء زوجات النبي، لكنه لا يعرف اسم طفلٍ مات من الفقر في حيه. يقيس صلاح الأمة بطول اللحية وقصر الثوب، ويظن أن الله بحاجة إلى عناوين ملابسنا كي يمنحنا الخلاص.
العالِم الفهَّامة ليس شخصًا، بل ظاهرة. هو خلاصة كل فقيهٍ جمّد النصوص، وقتل الروح، وخاف من السؤال. هو الوجه البائس لسلطةٍ دينيةٍ هجينة، تستمد عظمتها من جهل أتباعها، وتعيش على فتات الماضي كطفيليٍّ يقتات على جسد ميت.
هو “العالِم الفهَّامة” الذي يلبس عباءة التقديس ويرتدي نعل العصمة، يمشي في الأرض وكأن الملائكة تُمهّد له الطريق، لا لأنه يعرف الله، بل لأن الناس نسيت كيف تسير إليه. يوزّع صكوك النجاة كموظف في بلدية الجنة، ويضع على بواباتها لافتة كتب عليها: الدخول للذكور فقط، بالزي الشرعي الكامل.
لا يحب الأسئلة، لأن السؤال حشرةٌ تزحف نحو تمثال خشبي مقدس. وإذا اضطر للرد، تجده يرفع صوته لا ليُقنع، بل ليُخرسك. عنده الجدل حرام إلّا إن كان انتصارًا له، والفكر زندقة إلّا إن أعاد تدوير فتاويه. هو ابن الحفظ، وعدوّ الفهم، يقدّس الحروف ويخاف من المعاني. يجعل من القرآن كتاب جغرافيا للجنة والنار، ومن الحديث دفتر حضور وغياب للمؤمنين والكفار.
“العالِم الفهَّامة” يحب الخطب، لا ليسمو بالناس، بل ليُسمعهم صدى نفسه. يقف على المنبر كإمامٍ مسرحي، يؤدي دور “المخلّص”، ثم ينزل ليوقّع فتاويه كما تُوقّع النجوم صور المعجبين. يحب الكلمات الكبيرة: الولاء، البراء، الردة، السبي… لكنه لا يعرف كلمات بسيطة مثل: الجوع، الظلم، العدالة، أو حتى: إنسان.
في عالمه، لا يوجد تاريخ، بل لحظة واحدة مجمّدة في القرن الأول، كل ما قبلها بدعة، وكل ما بعدها فتنة. يقرأ الواقع بعين منزوعة من جمجمة تابعيٍّ متوفّى، ويفتي للقرن الحادي والعشرين بقلم من القرن السابع. يحرّم الثورة لأنه لا يريد أن يُسقط الطغاة، بل أن يستبدلهم بعمامته. يحرّم الفن لأنه لا يجيد سوى النشاز، ويحرّم الفلسفة لأنها تسأله: “لماذا؟”، وهو لا يحب هذا السؤال، لأنه يفضح ما لا يعرف.
هو شيخٌ يدعو إلى الزهد وهو يركب سيارة بثمن خمس آبار ماء، يحثّ على الصبر وهو لا يعرف حرّ البطون الخاوية، يبكي من خشية الله على شاشة تلفازٍ يملكه طاغية. يرفع يده بالدعاء ضد “أعداء الدين”، لكنه يسكت صاغرًا حين يمرّ موكب الأمير.
هذا “العالِم الفهَّامة” لا يُقيم الدين، بل يقيم عليه الحدّ. يعتقد أن الله يحتاج إلى وكلاء، وأن الجنة عقارٌ لا يُباع إلّا من خلال مكتبه الدعوي. لا يحاور أحدًا لأنه لا يثق بعقل أحد، ولا يصغي لأحد لأنه يعتقد أن الله لم يخلق عقلًا بعد عقلِه. يرى نفسه ظلّ الله في الأرض، بينما هو ظلّ الحاكم فوق المنبر.
يكتب الكتب كأنها قوالب حجرية، لا تُقرأ لتُفهم، بل لتُطبع وتُباع وتُعلّق في خزائن القداسة. كلّ فتوى عنده ختمٌ نهائي، لا يُراجع، لا يُناقش، لا يُنقض. لأنه هو “الفهَّامة”، ومن خالفه فهو “الشيطان”. وكل مَن تجرأ على قراءة النص خارج مألوف تأويله، صار زنديقًا وجب “تطهيره”.
إنه الشيخ الذي صمت دهورًا عن الظالم، ثم نطق ليسبّ الضحية. يتحدّث عن الجهاد، لا ليحرر الإنسان، بل ليزجّ به في معارك أوهامه. يحثّ النساء على “الحشمة”، لا لأن في قلبه نورًا، بل لأن في عقله ظلامًا يخاف أن يراه من خلال جسد امرأة. يخاف من الحب لأنه لم يعرف إلّا الرجم، ويخاف من الحرية لأنها تُظهر هشاشته.
هو شيخٌ يستنسخ نفسه في كل قرية، وكل شاشة، وكل كتاب قديم بلا حاشية. لا يجتهد لأن الاجتهاد يُشبه المغامرة، وهو لا يحب المجهول. يحب الجواب المعلّب، والفتوى المكررة، والنص المُحنّط في تابوت التراث. هو معلمٌ يُدرّسك كيف تعيش ميتًا، لا كيف تموت حيًا.
وفي النهاية، هذا “العالِم الفهَّامة” ليس واحدًا، بل هو كثير. يعيش بيننا، لا في جسد رجلٍ واحد، بل في خطبة الجمعة، في المناهج، في البرامج، في صمتنا الطويل أمام السخف المقدّس. هو صورة مجمّدة لدينٍ لا يزال يُقرأ بعين الرعب لا بعين العقل، ويُمارس كطقس خوفٍ لا كرحلة بحثٍ عن سر الحياة.
ولعل أخطر ما فيه أنه صادق مع نفسه، مؤمن برسالته، ومقتنع أن العصا التي يجلد بها العقول إنما هي أمرٌ من السماء. لا يسأل نفسه يومًا: هل هذه العصا صنعتها السماء، أم صنعتها يد السلطة؟ هل كان الله حقًا من أمر بذلك، أم رجل في بلاط السلطان؟
لكن الأسئلة، كما قلنا، لا تعجبه. هي في مذهبه من عمل الشيطان. وهكذا، سيظل العالِم الفهَّامة يجلد العقول، ويهذي فوق المنابر، حتى ينهض من بين الناس من يفهم الدين كما أراد الله: حرية، وكرامة، وعدالة، وعقلٌ لا يخاف أن يسأل.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
