لم تعد رائحة البارود في اليمن تنبع من جبهات الحوثيين كما اعتدنا؛ ثمة نار أخرى تشتعل في الجنوب، نار لا تُرى بالعين المجردة بقدر ما تُقرأ في خرائط النفوذ وصفقات الموانئ وحقول النفط. صراعٌ خليجي–خليجي يتقدّم بصمت أشد فتكًا من المدافع، صراعٌ يصنع يمنًا جديدًا يقترب كل يوم من تخوم التقسيم، بينما تتحول الجغرافيا إلى رقعة شطرنج، تُحرّك فيها الرياض وأبوظبي قطعَهما في معركة طويلة على النفوذ والحدود والشرعية.
يتحوّل المشهد اليمني اليوم إلى نسخة مختلفة عن الحرب التي انطلقت عام 2015. فالمعركة التي رُفعت رايتها لمحاصرة الحوثيين، أصبحت ساحة مزدوجة يخوض فيها السعوديون والإماراتيون مواجهة غير معلنة، تتجسد أعلى درجاتها في الجنوب. هناك، في عدن وحضرموت والمهرة، تبدو ملامح الدولة الجنوبية القديمة وكأنها تستيقظ من تحت الأنقاض، بدفع مباشر من المجلس الانتقالي الجنوبي الذي بات يمتلك قوة عسكرية وأمنية تشكّل واقعًا موازيًا للدولة المركزية.
التقدم الأخير لقوات الانتقالي نحو مناطق حضرموت والمهرة، بما يقارب عشرة آلاف مقاتل، لم يكن مجرد تحرك ميداني. كان إعلانًا سياسيًا بأن الإمارات – عبر حلفائها – تضع يدها على أهم الموانئ والممرات الحدودية والحقول النفطية، من المكلا إلى سواحل بحر العرب. في المقابل، ينسحب الدور السعودي تدريجيًا من مواقع حساسة: القصر الرئاسي، مطار عدن، بعض النقاط الاستراتيجية… وكأن الرياض تُجبر على إعادة حسابات نفوذها الذي كان يومًا محور المعادلة اليمنية.
الاختبار الذي تواجهه المملكة اليوم بالغ التعقيد: هل تُغامر باستعادة زمام المبادرة عسكريًا؟ هل تفاوض الانتقالي والإمارات على تسوية جديدة؟ أم تُسلّم بالأمر الواقع وتعيد صياغة علاقتها بالجغرافيا اليمنية وفق حدود نفوذ أضيق؟ أسئلة تتقاطع مباشرة مع أمنها الحدودي، ومع رؤيتها الاستراتيجية التي طالما اعتبرت اليمن عمقًا لا يمكن التفريط فيه.
لكن جذور اللحظة الراهنة ليست وليدة اليوم. اليمن كان دولتين حتى 1990، ثم توحيد هش أعقبه تآكل تدريجي في بنية الدولة. ومع سقوط صنعاء بيد الحوثيين عام 2014، وما تلاه من تدخل التحالف بقيادة السعودية، انفجرت التناقضات الداخلية على نحو فتح الباب لصعود الانتقالي الجنوبي كقوة وصية على الجنوب، لا قوة محلية فحسب.
اليوم، ومع هذا التحول، يجد الحوثيون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لتعزيز قبضتهم على الشمال بلا منافس حقيقي، في ظل انشغال خصومهم بحرب نفوذ داخل معسكر واحد.
أما الولايات المتحدة فتقف أمام معضلة استراتيجية. فهي لا تريد أن تغضب السعودية، ولا أن تصطدم بالإمارات، وفي الوقت ذاته تدرك أن تفكك اليمن سيعني مزيدًا من الفوضى والتهديدات عبر البحر الأحمر وباب المندب. كما تتقاطع الأزمة اليمنية مع ملف السودان، حيث تُتهم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، بينما تطلب الرياض دعمًا أميركيًا لإعادة التوازن هناك. وبذلك يصبح الملف اليمني جزءًا من شبكة أكبر من الصراعات الممتدة من القرن الإفريقي حتى الخليج.
ومع ترسخ الانتقالي في الجنوب، تبدو البلاد أمام أحد مسارين: صدام سياسي قد يتطور إلى مواجهة مفتوحة، أو تسوية جديدة تُعيد رسم اليمن على خريطة النفوذ الإقليمي. وبينما تنشغل القوى العربية بهذه المعادلات، يملأ الحوثيون الفراغ، ويعيدون تثبيت سيطرتهم على الشمال بارتياح كامل.
اليمن لا يسير نحو الانقسام فحسب، بل نحو إعادة إنتاج جغرافيا سياسية جديدة، تُرسم فيها حدود النفوذ أكثر مما تُرسم فيها حدود الدولة. وما بين الرياض وأبوظبي، تتغير المعادلة يومًا بعد آخر، بينما يدفع الشعب اليمني ثمناً باهظًا لصراع لم يعد معنيًا بالأرض وحدها، بل بالممرات والموارد وموازين القوى.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
