كيف تحوّلت الحرب الإيرانية إلى كازينو مالي؟

أهلًا بكم في عالم الرأسمالية المتوحشة

خلال الأشهر القليلة الماضية، تحوّلت الأزمات الدولية إلى شاشات تداول، تُفتح فيها دفاتر المراهنة على مصير الحكام والقادة، وتُطرح فيها احتمالات اندلاع الحروب وتوقيتها، وتُدرج فيها انهيارات الحكومات في سوق المضاربات. لقد بلغ هوس المقامرة حدًّا غير مسبوق، تبلورت معه منظومة مالية موازية تتغذّى على الفوضى، وتتحوّل فيها دماء الصراعات الدولية إلى مجرّد أرقام وفرص لاقتناص ثروات سريعة. ولعلّ ما تشهده منصات التنبؤ اللامركزية، وتحديدًا منصة Polymarket، على خلفية الضربات العسكرية الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمثّل التجسيد الأوضح لهذا التحوّل المرعب.

أرقام غير مسبوقة

لم تعد الحرب مجرّد حدث سياسي أو عسكري، بل غدت “أصلًا ماليًا” يجذب سيولة ضخمة. وبالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في الربع الأول من عام 2026، سجّلت منصات المراهنات تدفّقات هائلة:

  • 529 مليون دولار ضُخّت للمراهنة حصرًا على توقيت الضربات العسكرية الأميركية ضد إيران.
  • 130 مليون دولار وُضعت على المحك بشأن مصير النظام الإيراني وبقاء المرشد الأعلى.
  • 46 مليون دولار تركزت في أواخر شهر مارس حول رهان واحد: “هل سيُعلَن وقف إطلاق النار قبل 31 مارس 2026؟”

توقيتات مريبة

لم تكن هذه المراهنات مجرد تخمينات عشوائية، بل كشفت عن اختراقات أمنية وتسريبات استخباراتية خطيرة. فقبل 71 دقيقة فقط من سقوط القذيفة الأولى في الهجوم المشترك على إيران يوم 28 فبراير 2026، عمد حساب يحمل اسم “Magamyman” إلى وضع رهان بقيمة 87 ألف دولار على وقوع الحرب. وقد أتاح له هذا التوقيت “المثالي” تحقيق أرباح تجاوزت نصف مليون دولار في ليلة واحدة.

وتكرّر المشهد في أواخر مارس. ففي عطلة نهاية الأسبوع، قرابة 21 مارس، ظهرت ثمانية حسابات جديدة بالكامل ضخت 70 ألف دولار للمراهنة على حدوث هدنة قريبة. ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى أعلن الرئيس الأميركي عن محادثات مثمرة مع طهران، لتقفز قيمة رهانات هذه الحسابات إلى نحو 820 ألف دولار، في تزامن أثار شبهات واسعة حول تسريب معلومات من داخل الإدارة الأميركية.

المقامرون يوجّهون الأخبار

الخطر الأكبر في هذه الأسواق لا يكمن فقط في محاولة استشراف المستقبل، بل في سعي المراهنين إلى تغيير الواقع ليتوافق مع مصالحهم. ففي 10 مارس، وُضعت رهانات بقيمة تجاوزت 14 مليون دولار على توجيه ضربة صاروخية إيرانية إلى إسرائيل في ذلك اليوم تحديدًا.

وعندما سقط صاروخ إيراني في منطقة مفتوحة، ونشر الصحفي الإسرائيلي إيمانويل فابيان خبرًا روتينيًا عن الحادث، انهالت عليه رسائل تهديد بالقتل من مراهنين على منصة Polymarket، كانوا قد راهنوا على عدم وقوع الضربة. لقد طالب هؤلاء الصحفي بتكذيب خبره وتعديل تقريره لضمان فوزهم، ما استدعى تدخل الشرطة، وحوّل المقامرين من مجرد متفرجين إلى أطراف تسعى إلى التلاعب بالرأي العام ومسار المعلومات.

جوهر الفضيحة: التداول من الداخل

أكدت شركات تحليل البلوكتشين، وهي مؤسسات متخصصة في فحص البيانات ومراقبتها وتتبعها، مثل Bubble Maps، أن بعض الحسابات حققت نسبة نجاح خرافية بلغت 93% في توقّع مسار العمليات العسكرية السرية، وهو معدل يستحيل تقريبًا تحقيقه من دون امتلاك معلومات مسبقة.

ولم يكن هذا النجاح ضربًا من السحر، بل نتيجة تسريبات عسكرية. ففي منتصف مارس 2026، اعتقل جهاز الشاباك الإسرائيلي جندي احتياط في القوات الجوية بتهمة تسريب معلومات سرية عن توقيت الضربات إلى شريك مدني. وقد استخدم هذا الشريك حسابًا باسم “ricosuave666” لجني أكثر من 155 ألف دولار من خلال المراهنة الدقيقة على موعد الهجوم.

والأخطر من ذلك أن منصة المراهنات Polymarket تواجه موقفًا حرجًا بسبب وجود دونالد ترامب الابن في مجلسها الاستشاري، فضلًا عن وجوده أيضًا في المنصة المنافسة Kalshi، فيما تستثمر إحدى شركاته في هذه المنصات، الأمر الذي أثار اتهامات من بعض الأوساط بـ”التربّح من الحرب”.

وقد دفع هذا الوضع بعض المشرّعين الأميركيين، ومنهم السيناتور كريس ميرفي، إلى المطالبة بتمرير تشريعات تحظر عمليات المراهنة والتنبؤ المتعلقة بقرارات الحكومة والأعمال العسكرية، واصفين ما يحدث بأنه “استغلال لأموال دافعي الضرائب وللعمليات العسكرية من أجل المقامرة”.

في الماضي القريب، كانت أسواق المال تتأثر بالحروب بصورة غير مباشرة، من خلال ارتفاع أسعار النفط أو الذهب مثلًا. أما اليوم، فقد أصبحت الحرب نفسها، بأرواح من يسقطون فيها، وتاريخ بدء القصف، وتوقيت الهدنة، وربما حتى لحظة انتهاء الحرب، هي “الأصل المالي” المباشر الذي تُعقد عليه الصفقات. لقد تحوّل الدم والدمار ومصائر الشعوب إلى مؤشرات خضراء وحمراء على شاشات المراهنين.

إن أخطر ما كشفته حمى المراهنات على أنقاض الحرب الدائرة حاليًا ليس مجرد الثغرات الأمنية أو غياب الرقابة المالية، بل ذلك السقوط الأخلاقي المروّع الذي يحوّل مآسي الشعوب ودماءها إلى أرقام تتراقص على شاشات التداول.

فبينما تحبس عائلات بأكملها أنفاسها خوفًا من أصوات الانفجارات، وبينما يعاني الملايين من شعوب المنطقة من آثار الحرب وتداعياتها على حياتهم اليومية، يجلس مقامر في الجانب الآخر من العالم محدقًا في شاشة هاتفه بشغف، لا ليصلّي من أجل السلام، بل ليتمنى سقوط الصاروخ في موعده الدقيق ضمانًا لمضاعفة أرباحه. وهذا الانفصام المرعب بين قسوة الواقع الميداني وبرودة المؤشر المالي يضع إنسانيتنا ذاتها على طاولة الرهان.

لقد تجاوزنا مرحلة طاولات الكازينو وأوراق اللعب. فاليوم، بات العالم بأسره هو الكازينو، وصارت مصائر الدول والشعوب هي أوراق اللعب التي تُرمى بلا مبالاة. أهلاً بكم في هذه الحقبة الجديدة من الرأسمالية المتوحشة.

مقالات الكاتب

محسن الزيني

صحفي وباحث في العلاقات الدولية.