لم تعد الشاشة مجرد مرآة تعكس الواقع، بل تحولت في العقد الأخير إلى “غرفة عمليات متقدمة” تمهد له، تصوغه، وتطبع صورته في اللاوعي الجمعي قبل أن يقع. عند التأمل في أعمال درامية سياسية واستخباراتية شهيرة مثل “Homeland” (أرض الوطن) و”Tehran” (طهران)، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد حبكات درامية مشوقة أو خيال جامح لصناع الدراما، بل نحن إزاء “نصوص موازية” و”وثائق استراتيجية” مسربة في قالب ترفيهي. إنها بروفة مكشوفة لما تم تجهيزه في غرف الاستخبارات المغلقة، وتُرجم لاحقاً بالدم والنار في ساحات الشرق الأوسط، وتحديداً في الصراع الدائر والمفتوح مع إيران ومحورها.
التأهيل البصري الجمعي: تهيئة المسرح
تلعب هذه الأعمال دوراً خطيراً يتجاوز الترفيه إلى ما يمكن تسميته بـ “التأهيل البصري الجمعي”. الغاية هنا ليست مجرد إبهار المشاهد، بل “إعداد وتجهيز وعيه” وتطبيع المستحيل. حين يشاهد المواطن العادي، أو حتى صانع القرار، عمليات اختراق مستحيلة لمنشآت نووية، أو اغتيالات دقيقة لشخصيات سيادية عبر تكنولوجيا معقدة، فإن العقل الباطن يبدأ في تقبل هذه السيناريوهات كخيارات ممكنة وواردة.
ثم عندما تقع الواقعة على الأرض، لا يُصاب الرأي العام بصدمة الرفض أو التكذيب، بل يبتلع الحدث بوصفه “نهاية منطقية” لسيناريو سبق وأن تابعه بشغف. الدراما هنا تكسر حاجز الصدمة، وتخلق ألفة نفسية مع الهزيمة والاختراق لدى الخصم، بينما تكرس صورة “القدرة الكلية” واليد الطولى للطرف المنفذ.
مسلسل “Tehran“: الاختراق من الداخل وسقوط الحصون
إذا أخذنا مسلسل “Tehran” الإسرائيلي كنموذج، نجده يرتكز على تيمة أساسية: “القلعة لا تسقط إلا من الداخل”. تدور أحداث المسلسل حول عميلة للموساد تخترق العاصمة الإيرانية لتفكيك الدفاعات الجوية وتسهيل ضربة للمنشآت النووية، مستعينة بشبكة من المعارضين والمسؤولين المخترقين والعملاء الخونة.
على أرض الواقع، ما شاهدناه في الأشهر والأيام الأخيرة يطابق هذا النص الدرامي بشكل مرعب:
- اختراق النخب والدوائر الأمنية: اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في قلب دار ضيافة تابعة للحرس الثوري في طهران، واغتيال المرشد الأعلى وباقي قيادات الصف الأول في الأيام الأولى من الحرب لم يكن صاروخاً أعمى، بل كان تتويجاً لاختراق أمني بشري ورقمي عميق للدوائر الأكثر حساسية، وهو ما جسده المسلسل مراراً حين أظهر كيف يمكن تجنيد أو ابتزاز ضباط أمن ومسؤولين إيرانيين لتسهيل مهام التصفية.
- شلل البنية التحتية: في المسلسل، رأينا اختراقات لشبكات الكهرباء والدفاعات الجوية. وفي الواقع، شهدنا سلسلة من الانفجارات الغامضة في منشآت حيوية إيرانية (مثل نطنز)، واختراقات سيبرانية عطلت محطات الوقود والمنظومات الخدمية، وصولاً إلى استهداف منظومات الرادار والدفاع الجوي في أصفهان وغيرها خلال الهجمات العسكرية المتبادلة.
مسلسل “Homeland“: إعادة هندسة السلطة عبر الاغتيالات
في المقابل، قدم مسلسل “Homeland” الأمريكى عبر مواسمه، وخاصة تلك التي اقتربت من الملف الإيراني وتغيير الأنظمة، تشريحاً دقيقاً لسياسة “قطع الرؤوس” والتلاعب بالتوازنات الداخلية. المسلسل استعرض كيف يمكن لأجهزة المخابرات الغربية أن تمول، تجند، وتصفي قادة عسكريين وسياسيين بهدف إحداث فراغ في السلطة، أو تصعيد شخصيات تمت هندسة ولائها مسبقاً.
في الواقع العملي، ما حدث من استهداف متسلسل للهرم القيادي في إيران وحلفائها (بدءاً من قاسم سليماني، مروراً بعلماء الذرة مثل فخري زادة، وصولاً إلى الاغتيالات الدقيقة لقيادات الصف الأول والثاني في إيران وحزب الله والحرس الثوري) يعكس ذات الفلسفة الاستراتيجية. الهدف ليس مجرد الانتقام، بل “إعادة تشكيل هرم السلطة” وضرب الذاكرة المؤسسية والعملياتية لهذه الكيانات، وهو ما يطابق التنظير الدرامي لكيفية إدارة الفوضى لإجبار الخصم على التراجع أو الانهيار.
غفلة المستهدف: من شاهد ولم يَرَ
هنا نصل إلى المفارقة الأكثر مرارة، والتي تُمثل الخلل البنيوي في قراءة الخصم. لقد عُرضت آليات الاختراق، وطرق التجنيد، وأساليب التصفية على شاشات نتفليكس وأبل تي في وغيرها بوضوح فج. شُرحت للملأ كيف تُستخدم التكنولوجيا (ولنا في تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان مثال صارخ على تحول الخيال التكنولوجي إلى واقع قاتل)، وكيف تُستغل الثغرات الأمنية والبشرية.
السؤال الموجع: هل قرأت الأنظمة المستهدفة هذه الرسائل؟ الإجابة تتجلى في الدماء المتناثرة والمنظومات المخترقة. يبدو أن العقلية الأمنية الكلاسيكية في هذه الأنظمة تعاملت مع هذه الأعمال باستخفاف، بوصفها “دعاية استخباراتية” أو “حرباً نفسية واهمة”، متجاهلة أن الخصم في عصر المخابرات الحديثة يكتب استراتيجيته في العلن، لأن “أفضل مكان لإخفاء شجرة هو الغابة”.
لقد أسست هذه الأنظمة أمنها على عقيدة الجدران العالية، بينما كان الخصم يتسلل عبر أسلاك الإنترنت، ونقاط الضعف البشرية، وسلاسل التوريد. لقد شاهدوا المسلسلات ربما للترفيه أو لمعرفة ما يقوله العدو عنهم، لكنهم لم يَروا فيها الإنذار المبكر.
إن الدراما اليوم لم تعد ظلاً للواقع، بل هي الكشاف الذي يسبقه. حين تُعرض مشاهد الاختراق والتصفية في الأعمال التلفزيونية، فهي ليست مجرد استعراض للعضلات الفنية، بل هي إعلان نوايا، وتدشين لـ “عقيدة قتالية جديدة”. ومن يصر على إغلاق عينيه أمام هذه الشاشات، متحصناً بوهم المناعة المفرطة، سيجد نفسه مضطراً للعب دور الضحية في سيناريو كُتب وقُرئ، ومُثل أمامه… قبل أن يلتف حبل المشنقة حول عنقه.
لم تعد المشكلة كامنة في المقولة الكلاسيكية التي ترى أن «الواقع يُقلد الفن»، بل في كون هذا الفن الدرامي قد أصبح «وثيقة اغتيال» علنية تُتلى على مسامع الضحية قبل التنفيذ. لقد طُويت صفحة الحروب التي تُحاك في الظلام المطلق؛ فنحن نعيش حقبة تُعرض فيها «البروفة» على مرأى من العالم أجمع، لا لشيء إلا لتذويب مناعة الخصم النفسية واختراق وعيه قبل دك حصونه المادية.
إن الأنظمة والشعوب التي تصر على استهلاك هذه الأعمال بعين الترفيه الساذج أو الإنكار المكابر، متجاهلة الكارثة التي تُنسج ببراعة بين المشاهد، إنما تشتري، بوعي أو بدونه، تذاكر الصف الأول لحضور مشهد سقوطها المدوي.
ففي صراعات الألفية الثالثة، الشاشة هي منصة الإطلاق الأولى، ومن لم يمتلك بصيرة تفكيك «الشفرة الدرامية» المكتوبة بالضوء والظل، سيُجبر على تجرعها واقعاً يُكتب بالدم والنار. وحينها فقط، سيدرك الغافلون أن الواقع، على عكس الشاشات المضيئة، لا يمنح فرصة لـ «تعديل السيناريو»، وأن السقوط فيه… “حلقة أخيرة لا تُعاد”.

محسن الزيني
صحفي وباحث في العلاقات الدولية.
