في خضمّ الأحداث المتلاحقة، والغارات الجوية، والضربات الصاروخية المتبادلة في سماء الشرق الأوسط، توارت بعض الحوادث الخطيرة خلف دخان القصف والتدمير.
لكن مؤخرًا، وبعد مرور ما يقارب اثني عشر يومًا على انفجار الأوضاع، أثار قصف مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية للبنات في مدينة ميناب، جنوبي إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، موجةً واسعة من الجدل والغضب الدولي، ولا سيما بعد الكشف عن أدلة جديدة تشير إلى استخدام صاروخ «توماهوك» أميركي في الهجوم، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 165 شخصًا، غالبيتهم من الفتيات الأطفال في المرحلة الابتدائية.
نشرت وكالة «مهر» الإيرانية مؤخرًا مقطع فيديو، قامت وسائل إعلام كبرى، مثل «نيويورك تايمز» و«الغارديان» ومجموعة «بيلينغكات» الاستقصائية، بتحديد موقعه الجغرافي.
يوثّق المقطع لحظة سقوط صاروخ على منشأة تابعة للحرس الثوري الإيراني (IRGC)، ملاصقة تمامًا لمدرسة «شجرة طيبة». ويظهر في الفيديو دخانٌ يتصاعد بالفعل من جهة المدرسة، ما يشير إلى تعرضها للقصف في التوقيت ذاته.
وأكد خبراء أسلحة (منهم تريفور بول وإن. آر. جنزن-جونز) أن الصاروخ الظاهر في الفيديو هو صاروخ كروز أميركي من طراز «توماهوك». والولايات المتحدة هي الطرف الوحيد في هذا الصراع الذي يمتلك ويستخدم هذا النوع من الصواريخ، ما ينفي فرضية سقوط صاروخ إيراني محلي الصنع بالخطأ، كما أُشيع في البداية.
تتضارب الروايات الرسمية حول كيفية وقوع هذه الكارثة، إذ أفادت تقارير لصحيفة «نيويورك تايمز» ووكالة «رويترز» بأن تحقيقات أولية للجيش الأميركي (القيادة المركزية) ترجّح مسؤولية واشنطن عن الضربة نتيجة «خطأ في تحديد الأهداف». وتشير التحقيقات إلى استخدام بيانات استخباراتية قديمة، حيث كان مبنى المدرسة في السابق جزءًا من المجمع العسكري للحرس الثوري، ورغم فصله لاحقًا بجدار وتحويله إلى مدرسة مدنية منذ أكثر من ثماني سنوات، فإن الإحداثيات القديمة ربما ظلت معتمدة في بنك الأهداف.
في بداية الحادثة، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن إيران هي من قصفت المدرسة بالخطأ بسبب «عدم دقة ذخائرها»، نافياً تعمّد بلاده استهداف المدنيين. كما صرّح وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن البنتاغون يجري تحقيقًا رسميًا في الواقعة.
في المقابل، وصفت طهران، عبر وزارة خارجيتها، الهجوم بأنه «جريمة حرب لا تُغتفر»، واتهمت واشنطن وتل أبيب باستهداف المدرسة عمدًا عبر صواريخ متعددة. وعلى مستوى ردود الفعل الدولية، وصفت منظمة اليونسكو (UNESCO) الحادث بأنه «انتهاك جسيم» للقانون الدولي. كما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) بفتح تحقيق مستقل، معتبرة ما حدث «جريمة حرب» محتملة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية دمارًا هائلًا وانهيارًا لشطر كبير من مبنى المدرسة، ما يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حادة حول دقة الأسلحة وحماية المدنيين في أوقات النزاعات.
من المرجّح أن المسؤولية عن هذه الكارثة قد تكون مشتركة بين طرفي الصراع، إذ إن المدرسة تقع ضمن نطاق حساس عسكريًا، حيث ترتبط مدينة ميناب ببنية صاروخية وبحرية تابعة للحرس الثوري. كما ترصد صور الأقمار الصناعية مجمع مبانٍ منسوبًا إلى لواء «آصف» الصاروخي، على بُعد يقارب 170 مترًا من المدرسة، وهو ما جعل محيطها جزءًا من بيئة استهداف عسكري أوسع.
الفيديو الذي ظهر لاحقًا منذ أيام، وجرى التحقق منه من قبل خبراء ذخائر، أظهر أن الاستهداف كان أميركيًا، إذ نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن خبراء ذخائر قولهم إن شكل المقذوف الظاهر في المقطع، من حيث البنية الأسطوانية وشكل الرأس والأجنحة، يتطابق مع صاروخ «توماهوك»، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد المعروف في هذه الحرب الذي يمتلك هذا الصاروخ.
كما أشارت الصحيفة إلى أن صور الأقمار الصناعية بعد الهجوم أظهرت أضرارًا في ما لا يقل عن 11 موقعًا في المنطقة، بما يتسق مع تنفيذ ضربات متعددة على المجمع المجاور للمدرسة. ومن المؤكد وجود توزيع أدوار غير معلن بين الولايات المتحدة وإسرائيل في تنفيذ الضربات، من بينها صعوبة وصول الطيران الإسرائيلي إلى جنوب إيران بسهولة، في ظل تعقيد المسارات الجوية التي يتعيّن عليه سلوكها.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى البعد القانوني للهجوم، إذ إن استهداف مدرسة مدنية، حتى مع وجود هدف عسكري قريب، يثير شبهة انتهاك قواعد التمييز والتناسب والاحتياط المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبت تعمّد استهداف المنشآت المدنية أو تنفيذ ضربة غير متناسبة بحق المدنيين.
ونتيجة لبشاعة هذا الحادث، ومقتل هذا العدد الكبير من الأطفال الأبرياء، فُتح الباب أمام تفسيرات مرعبة وتساؤلات قلقة. فعندما تكون المأساة بهذا الحجم، يصبح من الصعب على العقل البشري استيعابها.
فعلى سبيل المثال، ظهرت بعض التفسيرات التي ذهبت إلى أن هذا الاستهداف كان مقصودًا ويمثّل طقسًا أو «قربانًا من دماء الأطفال»، وشهدت منصات التواصل الاجتماعي استخدام مصطلحات مثل «قدّموا الأطفال قربانًا» أو «تضحية بالدم». وهذه التفسيرات قد تجد صدى لدى البعض، إذ يجد العقل البشري صعوبة بالغة في تقبّل حدوث مأساة بهذا الحجم المروّع لمجرّد خطأ استخباراتي، كما تدّعي الولايات المتحدة. غير أن الحقيقة القاسية والموثّقة حتى الآن، في حال صحّت الرواية الأميركية، هي أن ما حدث يمثّل فشلًا عسكريًا واستخباراتيًا كارثيًا.
فالواقع بحدّ ذاته مأساوي بما يكفي، من دون الحاجة إلى إضافة أبعاد أخرى تندرج تحت بند الطقوس أو الحرب الدينية، على الرغم من وجاهة هذا الطرح ووجود سوابق ومؤشرات تدل على إمكانية حدوثه. غير أن الثابت هو أن إزهاق أرواح المدنيين نتيجة الإهمال والفشل في تحديث بنك الأهداف يُعدّ انتهاكًا جسيمًا يجب أن يضعه المجتمع الدولي تحت المجهر.
يضع القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية، ولا سيما البروتوكول الأول لعام 1977، قواعد صارمة لحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح. ولا يُعفي القانون الدولي الجيوش من المسؤولية لمجرّد الادعاء بوجود «خطأ»، إذ يفرض التمييز الدائم بين المدنيين والمقاتلين. واستهداف مدرسة مدنية يُعدّ انتهاكًا صريحًا لهذا المبدأ.
كما تُلزم المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول القادة العسكريين باتخاذ «جميع الاحتياطات الممكنة» للتحقق من أن الأهداف عسكرية. وحتى في حال وجود هدف عسكري مشروع ملاصق للمدرسة، يمنع القانون شنّ هجوم إذا كان يُتوقع أن يُحدث خسائر فادحة في أرواح المدنيين، ومقتل أكثر من 165 طفلة ومدنيًا يُخلّ بهذا المبدأ إخلالًا صارخًا.
وأخيرًا، في ظل استمرار التعقيدات والصراعات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ستبقى هذه الجريمة البشعة شاهدًا على بشاعة الحروب، وعلى العار الذي يلاحق السياسة والعسكرية الأميركية، والذي ينتقل معهما حيثما حلّتا، من اليابان إلى كوريا، وفيتنام، وبنما، وأفغانستان، والصومال، والسودان، والعراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، وفنزويلا، والقوس ما زال مفتوحًا لضمّ ضحايا جدد.

محسن الزيني
صحفي وباحث في العلاقات الدولية.
