في مايو من عام 1916، وفي غرف مغلقة بعيدة عن شمس الشرق الدافئة، انحنى رجلان على خريطة، وبجرة قلم باردة ومسطرة خشبية، شطرا الروح العربية، ووزعا الأوطان كحصص من تراب ودم. اليوم، ونحن نقف على أطلال الذكرى العاشرة بعد المائة لاتفاقية “سايكس-بيكو”، لا يزال هذا الاسم يتردد في فضائنا كتعويذة شؤم، نعلق عليها خيباتنا، ونرثي بها وحدتنا المفقودة. لكن التوقف عند حدود الرثاء يكشف عن حقيقة أكثر مرارة من الاتفاقية ذاتها؛ حقيقة تسكن في أعماقنا وتأبى أن تغادر.
ازدواجية الخنجر والوريد
ثمة فصام شجي وازدواجية موجعة في العقلية العربية المعاصرة. فنحن على المنابر وفي المناهج نلعن “مارك سايكس” و”فرانسوا جورج بيكو”، ونرشق خطوطهما الهندسية بكل نعوت التخوين والتمزيق. لكننا، في الغرف المغلقة وفي صميم وعينا الجمعي، نتنفس روح هذه الاتفاقية ونتغذى على شتاتها. لقد تحولت “سايكس-بيكو” من مجرد خطوط رسمت بالحبر على الورق، إلى أسوار شاهقة حفرناها بملء إرادتنا في القلوب والعقول.
لقد جاءت أمام العرب فرص ذهبية وعقود طويلة للتخلص من إرث هذه الاتفاقية الملعونة. رحل الاستعمار الأوروبي، وطوى جيوشه وأعلامه، وترك لنا “ممحاة” التاريخ لنعيد رسم أوطاننا، ولنصل ما انقطع من أرحام الجغرافيا. لكن ماذا فعلنا؟ لقد استبدلنا الحارس الأجنبي للحدود بحارس من بني جلدتنا، وأصبحت الدول المقسمة أعجز من أن تحافظ حتى على “علاقات ودودة” مع جاراتها التي تشاركها اللغة والدم والتاريخ.
حدود تنزف من الداخل
إذا أردنا أن نرى مرآة خيبتنا، فلنتأمل طويلاً في تلك الحدود التي تحولت إلى جبهات. تأمل العلاقات السورية-اللبنانية التي تترنح دوماً بين الوصاية والقطيعة، أو الجراح المفتوحة والتوترات المكتومة بين سوريا والعراق، حيث تتدفق مياه دجلة والفرات مثقلة بالريبة بدل أن تحمل طمي الحياة. وتأمل كيف وقفت الحدود بين الأردن وسوريا وبين مصر والسودان في كثير من الأحيان كجدار أصم يفصل بين نبضين لقلب واحد. وتأمل العلاقات الدائمة التوتر والخلاف بين دول المغرب العربى. لقد أثبتنا، جيلاً بعد جيل، أننا نتقن صناعة الغربة في عقر دارنا.
“سايكس-بيكو” لم يكن يوماً قضاءً مبرماً هبط من السماء، ولا قدراً مقدوراً سُطر على جباهنا. هو في جوهره وثيقة سياسية دنيوية، حبر وورق، كان يمكن تمزيقها ورميها في مزبلة التاريخ لو امتلكنا الإرادة الحقيقية لذلك. لكننا لم ولن نفعل في المدى المنظور، والسبب أبسط وأعمق مما نتخيل: ما زالت روح القبلية البغيضة تطغى وتتحكم.
لقد ألبسنا القبلية أثواباً حديثة؛ سميناها تارة “الوطنية الضيقة”، وتارة “الطائفية”، وتارة أخرى “السيادة”. العصبية القبلية هي التي تجعل من ابن البلد المجاور غريباً أو منافساً، وهي التي رسخت عقلية “نحن وهم” داخل البيت الواحد. لقد وفرت لنا خطوط الاستعمار ملاذاً مثالياً لنمارس فيه أهواءنا القبلية وإقصاءنا للآخر، فأصبحنا نحرس “سايكس-بيكو” أكثر مما حرسها صانعوها.
هل يُعاد تدوير الخطيئة؟
وسط هذا اللهيب، يبرز سؤال يطرق أبواب الحاضر بقسوة: هل يُعاد تدوير مخطط “سايكس-بيكو” مجدداً الآن؟
الناظر إلى خارطة الشرق الأوسط المشتعلة يدرك بأسى أن “سايكس-بيكو” الأول كان تقسيماً رحيماً مقارنة بما يُحاك ويدور اليوم. نعم، المخطط يُعاد تدويره، لكن هذه المرة لا يتم برعاية دبلوماسيين ببدلات أنيقة حول طاولات باريس ولندن، بل يُرسم بدمائنا، وبأيدي ميليشيات، وطوائف، وبنادق مأجورة. التقسيم الجديد لم يعد جغرافياً يفصل بين دولة وأخرى، بل تقسيماً مجهرياً ديموغرافياً وعقائدياً يفصل بين أبناء المدينة الواحدة، والشارع الواحد.
نحن اليوم أمام هندسة جديدة لخراب الشرق الأوسط؛ “سايكس-بيكو” جديد يرتدي عباءة “مناطق النفوذ”، و”الكانتونات الطائفية”، و”الفيدراليات المسلحة”. إن القوى الإقليمية والدولية لا تصنع هذا الانقسام من العدم، بل تستثمر في “القبلية” الكامنة فينا، وفي هشاشة أرواحنا المترعة بالخوف من الآخر.
بعد مائة وعشرة أعوام، مات مارك سايكس، ومات فرانسوا بيكو، لكنهما تركا فينا ألف سايكس وألف بيكو. ولن تُمسح تلك الخطوط عن الأرض، حتى تُمحى أولاً وقبل كل شيء من تضاريس أرواحنا المريضة.

محسن الزيني
صحفي وباحث في العلاقات الدولية.
