اغتيال الذاكرة… حين يدفع تراث لبنان ثمن حروب لم يخضها

في الحروب، لا تسيل الدماء وحدها، بل تنزف الذاكرة أيضاً. وفي الجنوب اللبناني، حيث تعانق الأرض سماءها منذ فجر التاريخ، تدور رحى حرب لا تكتفي باختطاف الأرواح، بل تمتد ألسنة نيرانها لتلتهم شواهد حضارة وقفت شامخة آلاف السنين. هناك، تستهدف الآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة المواقع التراثية والأثرية بتدمير ممنهج، في محاولات مضنية لمحو الهوية واغتيال التاريخ، رغم أن هذه الحجارة العتيقة لم تحمل يوماً بندقية، ولم تكن قط خندقاً عسكرياً، بل كانت دوماً حارسة صامتة لقصة الإنسان على هذه الأرض.

درع اليونسكو المكسور

لقد شرّعت المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954، تحييد الممتلكات الثقافية عن النزاعات المسلحة. ومؤخراً، مُنحت عشرات المواقع اللبنانية «الحماية المعززة» من قبل منظمة اليونسكو، لتكون بمثابة درع أزرق غير مرئي يقيها شرور المدافع.

ولكن يبدو أن لغة النار العبرية لا تقرأ المواثيق، وأن القواميس الإسرائيلية لا تعترف بالشارات الدولية. فالقنابل والصواريخ التي تدكّ الجنوب اللبناني اليوم تتجاوز الأعراف السياسية والعسكرية لتضرب عمق التراث الإنساني. إن سقوط قذيفة على موقع أثري ليس مجرد انهيار جدار أو تصدّع عمود، بل هو بترٌ لجزء من الروح البشرية، وطمسٌ لصفحات من كتاب الحضارة الذي يملكه العالم أجمع، لا لبنان وحده.

إن استهداف حجر نقش عليه أجدادنا أحلامهم، هو استهداف للروح الإنسانية في أعمق تجلياتها، ومحاولة بائسة لجعل المكان بلا ماضٍ، ليصبح من الأسهل سرقته في المستقبل.

قلعة شقيف: الشاهدة الجريحة

على صخرة شاهقة تعانق السحاب وتطل على نهر الليطاني، تقف قلعة شقيف كحارس عجوز أتعبه الحنين. هذه القلعة، التي تعاقبت عليها الأحداث والحقب، من الصليبيين إلى المماليك والعثمانيين، صمدت في وجه الزلازل وعواصف الزمن، لتجد نفسها اليوم في مرمى نيران حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

لم تكن قلعة شقيف في هذه الحرب ثكنة للمقاتلين، بل كانت شرفة للتاريخ، ومزاراً سياحياً يُعدّ من الأفضل من حيث التجهيزات. ومع ذلك، طالتها يد العدوان، لتعلن المتحدثة باسم جيش الاحتلال في 31 أيار الماضي الاستيلاء على قلعة شقيف. إن جراح قلعة شقيف صرخة مكتومة في وجه عالم يسمّي نفسه متحضّراً، ويقف متفرجاً بينما تُعدم ذاكرته. فكل حجر من شرفاتها يحمل معه حكاية فارس، وقصيدة شاعر، وصلاة عابر سبيل، لتتبدد كلها في غبار الحرب.

الجنوب: متحف مفتوح تحت النيران

ولا تتوقف المأساة عند حدود شقيف؛ فالجنوب اللبناني بأكمله أشبه بمتحف مفتوح يغفو على كنوز فينيقية ورومانية وإسلامية ومسيحية. من أحياء مدينة صور المدرجة على لائحة التراث العالمي، والتي تئن أطرافها تحت وطأة الغارات، إلى القرى الجنوبية المتناثرة كحبات اللؤلؤ، والتي تضم مقامات قديمة، ومساجد تاريخية، وكنائس عتيقة، ومواقع تراثية كانت تنبض بالحياة، كلها باتت أهدافاً مستباحة.

هذا التدمير الممنهج يطرح سؤالاً مهماً: ما الذي يجنيه الاحتلال حين يسوّي بالأرض قلعة قديمة، أو مقاماً، أو معبداً يحكي قصة أمة؟

الجواب لا يكمن في التكتيك العسكري، بل في الرغبة في «كيّ الوعي»، واقتلاع الجذور، وتحويل الأرض إلى صحراء منسية لا تدل على من مرّوا بها وارتوت بدمائهم جيلاً بعد جيل.

إن الحجارة في لبنان ليست جماداً، بل هي شرايين تنبض بروح أجيال مضت وأجيال ستأتي. ورغم قسوة المشهد وهول الدمار، ورغم خذلان القوانين الدولية التي عجزت عن تفعيل «حمايتها المعززة»، يبقى التراث اللبناني عصياً على الموت.

قد يسقط الحجر، وقد يحترق الخشب العتيق، لكن الذاكرة التي حُفرت في قلوب اللبنانيين وفي وجدان الإنسانية لا يمكن أن تمحوها الغارات. وسيبقى أنين حجارة الجنوب شاهداً على همجية الاحتلال، وعلى أن الحضارة، مهما تكالبت عليها معاول الهدم، ستنهض من تحت الرماد، لتروي يوماً ما للأجيال القادمة كيف انتصر صمت التراث وإرادة أصحاب الأرض.

مقالات الكاتب

محسن الزيني

صحفي وباحث في العلاقات الدولية.