حين يُصلب المسيح مرّتين…

تحليل – خاص «بيروت 2030»

في مشهدٍ يتداخل فيه الرمز بالواقع، وتستعيد فيه الذاكرة التاريخية أكثر صورها إيلاماً، يعود المسيح مجدداً—لا بشخصه، بل بدلالته—إلى درب الجلجلة. ليس صليباً يُحمل هذه المرّة، بل تمثالٌ يُنتهك، ورمزٌ يُحطَّم، وصورةٌ تختصر قروناً من الألم الإنساني الذي لم ينفكّ يعيد إنتاج ذاته في صيغٍ متبدّلة.

في جنوب لبنان، تلك الأرض التي اختزنت آثار الأنبياء وخطى العابرين بين الحروب والصلوات، يبدو المشهد كأنه منسلخ من زمنٍ آخر. جندي إسرائيلي، مُثقَلٌ بأدوات القوّة ومشحونٌ بعنف المعنى، يقف أمام تمثالٍ للمسيح، فلا يرى فيه سوى مادةٍ قابلةٍ للكسر، فيما يراه آخرون تجسيداً لقيمٍ متعالية: الإيمان، والرحمة، والتسامح، والتضحية، والغفران.

إن لحظة ارتطام المطرقة بالتمثال تنفتح على كثافةٍ دلالية تختزن أسئلةً وجودية عن الإنسان حين ينحدر إلى أقصى تجلّيات القسوة، وعن قابليته الدائمة لإعادة إنتاج الكراهية في أشكالٍ لا تنفد.

لم يكن المسيح، في الوجدان الإنساني، مجرّد شخصية دينية. لقد غدا رمزاً متعالياً للألم الذي يُجابَه بالصبر، وللظلم الذي يُقاوَم بالمحبة. وعليه، فإن المساس بهذا الرمز يتجاوز حدوده العقائدية الضيّقة، ليدخل في حيزٍ إنساني أوسع، حيث تتقاطع الكرامة مع حرية المعتقد، ويغدو الاعتداء على الرمز الإلهي مساساً ببنية التعايش ذاتها.

والمسيح، في هذا المعنى، ليس ملكاً لطائفة، بل أيقونة للألم الكوني الذي يُقابَل بالصبر، وللظلم الذي لا يُواجَه إلا بالمحبة. وحين تُنتهك هذه الأيقونة، فإن الجرح لا يصيب المؤمنين فحسب، بل يمتدّ ليطال خاصرة التعايش الإنساني وقيم الاحترام التي تحول دون انحدار العالم إلى فوضى الغابة.

ويستدعي هذا المشهد، بقوةٍ رمزية، صورة درب الجلجلة، حيث لم يكن الألم محصوراً في المسامير أو الصليب، لكنّه تجلّى أيضاً في اللامبالاة التي أحاطت بالمشهد، وفي القدرة المروّعة على تحويل المعاناة إلى حدثٍ عابر. اليوم، تتكرر الصورة في صيغةٍ مختلفة: لا جمهور يهتف، بل عالمٌ يراقب بصمت، يعلّق عابراً، ثم يمضي. وبين الأمس واليوم، يظل السؤال قائماً: هل تبدّل شيءٌ في جوهر الإنسان؟

التمثال، على الرغم من تحطيمه، لم يفقد دلالته. فالقيم التي يتجسّد فيها لا تُقوَّض بضربة، ولا تُمحى بمشهدٍ طارئ، بل—على نحوٍ مفارق للمنطق—تتعاظم كلما اشتدّ السعي إلى طمسها. فالتاريخ يشهد بأن الرموز التي تُستهدف بغرض محوها، تتحوّل إلى أيقوناتٍ أكثر رسوخاً، إذ تُستعاد في الذاكرة الجمعية بوصفها شواهد على لحظات الظلم.

في المقابل، يكشف هذا الحدث هشاشة العلاقة بين القوّة والمعنى؛ فالقوة قد تفرض حضورها في اللحظة، لكنها تعجز عن احتكار تأويلها عبر الزمن. وما يُقرأ آنياً بوصفه فعلاً من أفعال السيطرة، قد يُعاد تأويله لاحقاً كعلامة ضعفٍ وجودي، وما يُراد له أن يكون خاتمة، قد ينقلب إلى مفتتحٍ لسردية جديدة: “المسيح مجدداً على درب الجلجلة”.

ولم يعد السؤال محصوراً في تمثالٍ كُسر، بل في إنسانٍ ما زال قادراً على استحضار مشاهد القسوة ذاتها: الفتك، والذبح، والحقد، والكراهية، وقتل الأطفال والرضّع، وسفك الدماء، والتدمير، والتهجير؛ وكأن درب الجلجلة لم يكن، قبل أكثر من ألفي عام، محطةً مفصلية أسّست لثقافة الإيمان والغفران.

بين المطرقة والتمثال، بين عنف اللحظة وأبدية المعنى، يبقى السؤال معلّقاً في هواء الجنوب المشبع برائحة البخور والبارود: متى يكفّ الإنسان عن صلب أخيه الإنسان؟

يبدو درب الجلجلة، اليوم، طريقاً مفتوحاً يسلكه كل من تخلّى عن الرحمة، وكل من توهّم أن البندقية قادرة على إسكات الصلاة. غير أن الزمن، في محصلته الأخيرة، ينحاز لما هو أبقى؛ سيرحل الجنود، وتبقى الذاكرة المنقوشة في وجدان الأرض، ويبقى المسيح، في رمزيته السامية، حيّاً في كل فعل مقاومةٍ أخلاقية، وفي كل دمعةٍ تُذرف على كرامةٍ منتهكة، مؤكداً أن الحق لا يحتاج إلى أطرافٍ سليمة ليسير، بل يكفيه قلبٌ نابض باليقين ليهزم الفناء.

إنها حكايةٌ قديمة تتجدّد، يظلّ فيها الحجر المكسور أشدّ صلابةً من اليد التي كسرته، وتبقى فيها المحبة—رغم كل مسامير الحقد—هي القيامة المنتظرة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.