تتقدّم المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران نحو لحظة مفصلية، لكنها تصل مثقلةً بقدر كبير من الضبابية، ما يجعل مصيرها مفتوحاً على كل الاحتمالات. فالجولة التي يُفترض أن تحتضنها العاصمة الباكستانية تبدو أقرب إلى اختبار أخير لإمكانية تجنّب الانفجار، أكثر منها مساراً تفاوضياً تقليدياً قابلاً للنجاح.
يترافق هذا الغموض مع تصاعد ميداني لافت أعاد طرح سيناريو انهيار وقف إطلاق النار إلى الواجهة بقوة. وقد شكّل احتجاز الولايات المتحدة سفينة الشحن الإيرانية العملاقة “توسكا” تطوراً مفصلياً في هذا السياق، إذ اعتُبر خطوة تصعيدية إضافية تحت عنوان فرض الحصار البحري، في وقت تلوّح فيه طهران بالتراجع عن المشاركة في المحادثات ما لم يُرفع هذا الحصار كشرط مسبق.
في المقابل، لا تدخل إيران إلى طاولة التفاوض من موقع الضعف، بل مستندة إلى مجموعة أوراق تعتبرها حاسمة، من بينها توسيع أي اتفاق ليشمل لبنان، إضافة إلى المطالبة بالإفراج عن أموالها المجمّدة. ويعزّز هذا الموقف ما تراه طهران صموداً عسكرياً خلال الأسابيع الماضية، رغم كثافة الضربات التي تعرّضت لها، وهو ما دفع العديد من المحللين إلى الاعتقاد بأن واشنطن بدأت تميل إلى خيار التفاوض تفادياً للغرق في حرب استنزاف طويلة ومكلفة.
في قلب هذا المشهد، يبرز مضيق هرمز كعامل حاسم يتجاوز كونه ممراً مائياً استراتيجياً، ليصبح أداة ضغط مركزية بيد إيران. فالمضيق، الذي تحوّل إلى ورقة تفاوضية ثقيلة، تستخدمه طهران للرد على الضغوط الأميركية، وقد انعكس ذلك في قرارات متقلّبة بفتحه وإغلاقه، ما أحدث إرباكاً في الأسواق العالمية، ورفع منسوب القلق لدى القوى الكبرى.
وقد امتدّت الانعكاسات الاقتصادية إلى الداخل الأميركي وإلى خصوم إيران، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغط على الإدارة الأميركية، في ظل تحذيرات دولية من ركود اقتصادي محتمل إذا استمر تعطيل الملاحة في هذا الممر الحيوي. وفي الوقت نفسه، شكّل الدعم الروسي والصيني لطهران في مجلس الأمن عاملاً إضافياً يعقّد الحسابات الأميركية، ويمنح إيران غطاءً سياسياً في مواجهة الضغوط الغربية.
أما على صعيد الملف النووي، فتبدو الهوّة بين الطرفين عميقة. إذ تصر واشنطن على وقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك البنية التحتية المرتبطة به، بينما ترفض طهران بشكل قاطع التخلي عن هذا الحق أو نقل مخزونها إلى الخارج. ويزيد من تعقيد هذا المشهد الغموض الذي يحيط بمصير كميات اليورانيوم عالية التخصيب، والتي تحوّلت إلى نقطة خلاف إضافية تعيق أي تقدّم محتمل.
داخلياً، تجد واشنطن نفسها محاصرة بجملة من التحديات المتصاعدة التي تضيّق هامش المناورة أمامها، وتدفعها نحو البحث عن مخرج سريع من هذا النزاع، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتآكل التأييد الشعبي لأي انخراط عسكري مفتوح أو طويل الأمد. وتحت وطأة هذه الضغوط، لم يعد الخيار العسكري يحظى بالإجماع ذاته، بل بات عبئاً سياسياً يهدد توازنات الداخل الأميركي.
في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للتراجع دون أثمان، إذ تواصل توظيف ورقة الضغط العسكري كأداة تفاوضية حادة، عبر تعزيز حضورها العسكري في المنطقة وفرض طوق بحري مشدّد يهدف إلى خنق هوامش الحركة لدى طهران. وتندرج هذه الخطوات في سياق استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين التصعيد الميداني والضغط السياسي، سعياً لانتزاع تنازلات تكرّس شروطها وتعيد رسم قواعد الاشتباك بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
لذلك، تبقى هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، إذ إن التصعيد العسكري قد ينزلق سريعاً خارج إطار السيطرة، ليفتح الباب أمام مواجهة طويلة لا يرغب بها أي من الطرفين. وبينما تستمر التحركات العسكرية على الأرض، تبدو الدبلوماسية وكأنها تسابق الزمن للحفاظ على ما تبقّى من فرص التهدئة.
في ظل هذه المعطيات، تبدو مفاوضات إسلام آباد وكأنها تسير فوق خيطٍ مشدود، حيث تتشابك الحسابات العسكرية الدقيقة مع ضغوط سياسية واقتصادية متصاعدة، في لوحة معقّدة يصعب فكّ عقدها.
وبين هاجس الانزلاق إلى مواجهة شاملة والتردد في تقديم تنازلات مكلفة، يقف الطرفان على حافة قرار مفصلي قد يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة: إما تسوية هشة تُؤجّل الانفجار، أو اندفاعة جديدة نحو تصعيد مفتوح تتّسع معه رقعة المخاطر وتتعمّق كلفته على الجميع.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
