دخل المجتمع اللبناني في ضجّة إعلامية ضخمة، وقد أسهم في تضخيم هذه الضجّة ما وصلت إليه عمليات تسويق بعض الأفكار التي تدّعي أنّ الناخب اللبناني قاصر، لا يستطيع التعبير عن رأيه، وهو مقيَّد غير قادر على مقاومة هذا المدّ الهائل من التطاول على المسار الديمقراطي الانتخابي. ونتيجة هذا التأثير الإعلامي القوي، يكاد الناخب يعتقد بأن صوته غير مضمون في العمليات الانتخابية.
ويعود هذا الاعتقاد إلى عدّة أسباب، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ هناك عمليًا تأثيرًا غامضًا للزمن الانتخابي وتشابك علاقاته على وعي الناخبين، إضافة إلى شبه قدرة إعلامية، مموَّلة من أركان السلطة المستفيدة من عملية التضليل، تبرع في الخلط بين الحقيقة والوهم إلى حدّ لم يعد معه من السهل تبيان الخيط الفاصل بين الحق والباطل.
كناشطين ومثقفين ومتخصصين في الشأن العام، نهتمّ بسيرورة الحياة السياسية اللبنانية ومستقبلها، وكأحد المؤمنين بوطني وبقدسية المؤسسات الشرعية الرسمية، يحقّ لي، وفقًا لأحكام الدستور وشرعة حقوق الإنسان، أن أدلي بدلوي في موضوع الاستحقاق الانتخابي وآليات التشريع. وإنني أعتقد، ومعي فريق عملي وجميع المرشحين، أنّ علينا جميعًا مسؤولية خاصة في مجمل عملية إيقاظ وعي الناخبين، لأن من يرغب في الترشح يفترض به أن يكون الأكثر حضورًا في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية، وهو ما يوجب عليه حمل هواجس الشعب، وهي كثيرة ودقيقة ومتشعبة.
إنّ من يرى نفسه مؤهّلًا للمشاركة في الترشح، لا ينبغي أن تقتصر هذه الرغبة على دائرة واحدة، بل من المفترض أن تشمل الدوائر الخمس عشرة، بموجب القرار رقم 44 الصادر بتاريخ 17 حزيران 2017 والمنشور في الجريدة الرسمية، العدد 27، تاريخ 17 حزيران 2017، والذي من المفترض أن يحمل صفة التشريع الإلزامي. كما أنّ جوهر المشاريع يفترض أن يركّز على حلّ هواجس الناخبين، والممارسة البرلمانية المنتجة، والتنظيم النيابي، وهي مسائل تُعدّ، بالنسبة إلى الرأي العام، من المقدّسات، على أن يكون الهدف من هذه العملية الوصول إلى قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع عبر التركيز على مشاكل الناس وتصحيح الممارسة السياسية التشريعية.
إنّ المشاركة في القرار، على قاعدة أنّ الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية الشرعية، تفرض على أي مرشّح أو طامح أن يؤمن إيمانًا راسخًا بالمسؤولية التشريعية التي ستُلقى على عاتقه في حال نجاحه، وفي حال أحسن الناخب خياراته. وانطلاقًا من عمليات الاقتراع، تُقبل هذه المسؤولية اختيارًا، ومن الطبيعي القول، كما يُردَّد في العامة: «إننا، كرأي عام، نبحث عنها بحثًا دستوريًا – قانونيًا – تشريعيًا حتى وجدناها»، وهي أمانة بين أيدي من انتُدِبوا.
إنّ النجاح في تأدية المهام الموكلة للمرشّح بصفة التشريع يفتح الباب واسعًا أمام قضايا جديدة ومسائل لم تكن ظاهرة في المراحل السابقة، كما أنّ القضايا والمهام الجديدة ستكون أضخم من القضايا التي سيتم حلّها. وهذه الحقيقة تفرضها طبيعة التطوّر التشريعي، إذ إنّ المراحل المتقدّمة تطرح باستمرار قضايا أكثر صعوبة وأهمية من المراحل الأولية التي يفترض أن يتخطّاها النائب أثناء تولّيه المهام التشريعية.
فعليًا، يبدو الحاضر السياسي، على كل المستويات، مليئًا بالتعقيدات والصعوبات. أعلم، وتعلمون، أنّ الطريق إلى السلطة وعرة وشائكة، ومليئة بعقبات من صنع أهل البيت، ولكن النصر التشريعي آتٍ لا محالة، لأن المشاركة في السلطة تقوم على قواعد دستورية وقانونية بحتة.

بول الحامض
ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.
