أيها اللبنانيون،
الليرة ماتت، وهذا ما تبشّرني به محفظتي حين أرى الدولارات فيها.
الكرامة دُفنت، وهذا ما يفسّره الإحباط المحيط بي.
السيادة صارت سلعة في المزاد، وهذا ما يعزّزه الإعلام المأجور.
الحاكم خرج من السجن وكأن شيئاً لم يكن، والمصارف في الخارج تتحكّم بأموال الفاسدين كما تشاء لإبتزازهم.
أما أنتم وأنا، فنساق كقطيع، نئنّ تحت أعباء الانهيار، ونظنّ أن الخلاص سيأتي من الأيدي نفسها التي سرقتنا!
من خطّط، من نفّذ، من تواطأ… كلّهم أوصلونا إلى هاوية بلا قرار.
باعوا المال والذهب مصيره مجهول، باعوا البحر، باعوا الجغرافيا، وباعوا كرامة الإنسان لأنهم جياع بلا كرامة.
نحن اليوم لاجئون في وطننا: لا نملك سوى عقارات خاوية، بيوت تتداعى جدرانها، وعائلات تفتّتت كما تفتّتت الأرض والهوية.
ألا ترون؟ حتى الغاز في البحر صار بيد الأجنبي، يرسم حدوده، يحدّد نصيبنا، ويترك لنا الفتات.
ألا تشعرون؟ حتى جدران منازلكم تهتزّ أمام فواتير الكهرباء والمياه والانهيار المعيشي. ندفع أكثر لجودة أقل!
ألا تسمعون؟ أنين الناس يختنق في الشوارع، بينما السلطة تضحك وتقتسم الغنائم، وأبناؤها ينعمون بملذّات الحياة.
هذه السلطة ليست “فاسدة” فقط. لا تخطئوا التوصيف. هي مرتزقة مأجورة ضعيفة تعمل عند الخارج، ونحن ندفع لها أتعابها. تنفّذ أوامره بحذافيرها، وتقبض ثمن دمائنا ودموعنا، وتُمعن في نخر أجسادنا وتغييب وعينا. ومن يتوهّم أن رجال الدين أو أحزاب الطوائف أو حتى بعض “المجتمع المدني” أبرياء، فهو شريك في الوهم. الكل متواطئ، والكل غارق في العمالة.
لقد خسرنا الليرة، خسرنا السيادة، خسرنا الأرض، خسرنا العائلة… والخطر الأكبر أننا نخسر الإرادة.
والخيانة العظمى ليست فقط أن يبيعوك، بل أن يقنعوك أن لا بديل عنهم، وأنك عاجز عن المواجهة.
أيها اللبنانيون، كفى صمتاً. كفى انتظاراً. كفى استجداءً للسماء أو للمخلص الخارجي. أنتم أصحاب الأرض والسيادة والكرامة.
لن يوقف الانحدار إلا انتفاضة حقيقية، تخلع كل هذه الأقنعة المختبئة بالطائفية والمناصب، وتكسر هذه البنية التابعة.
فالوطن ليس حجارة ولا حدوداً مرسومة بالقلم الغربي، يتنازل عنها رئيس إمّا بصمته وتقاعسه أو بمرسوم.
الوطن هو أنتم.
اصرخوا. طالبوا. ارفضوا.
ولا تسمحوا بأن يقال بعد سنوات: “شعب لبنان باع نفسه كما باعت سلطته وطنه”.

كارلو جليان
كاتب لبناني يتناول الفكر الاجتماعي والسياسي بأسلوب أدبي فلسفي/اجتماعي. يمزج الفكر النقدي مع تحليل الوضع الوطني اللبناني، مع اهتمام بمفاهيم مثل الهوية، البرجوازية، التأثر الفكري، والتحديات المجتمعية.
