يسارع الباحثون والإعلاميون عادة إلى إلصاق مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” بالأحداث التكتونية الكبرى، كالحروب والثورات وتغييرات الأنظمة، وحتى اتفاقيات السلام. وقد أدّت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، والحرب التي تلتها، إلى تغييرات دراماتيكية فعلاً، غير أنّ جزءاً كبيراً من مشكلات المنطقة لم يُحلّ، وبعضها الآخر تفاقم.
تقع إسرائيل في منطقة متغيرة من حيث وتيرة الحروب وأعمال العداء، ومن حيث طبيعة الأنظمة الحاكمة والتحالفات الإقليمية، وقد تجلّت هذه السمات في الحرب الأخيرة أيضاً. وعلى الرغم من أن المنظور التاريخي المتاح لنا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر لا يزال قصيراً، فإنه يمكن الإشارة إلى 8 تغييرات أساسية حدثت في المنظومة الشرق أوسطية:
- بؤر الصراع القديمة – الجديدة: بؤر الصراع الحالية في الشرق الأوسط هي قطاع غزة، وسورية، ولبنان، وجميعها يتوزع بين نتاج مباشر وغير مباشر لأحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر. وليست أي من هذه الساحات جديدة، وهو ما يعني أنها تُمثّل نقاط التقاء لجميع التنافسات والخصومات بين اللاعبين الإقليميين الساعين لتعزيز مصالحهم، سواء من أجل مكانتهم في المنطقة أو من أجل نيل امتيازات من الراعي الأميركي.
- تبدُّل في اصطفافات المعسكرات: لم يعد التقسيم الثنائي التقليدي بين “محور المقاومة” بقيادة إيران، و”محور الدول المعتدلة”، الذي يضم إسرائيل ودول اتفاقيات أبراهام ومصر والأردن والسعودية، يعكس الواقع؛ فالضربات التي تلقتها إيران ووكلاؤها (حزب الله، والحوثيون، و”حماس”) أضعفت محور المقاومة، وعلى الرغم من أن هذا المحور لم يختفِ، وأن الملف النووي الإيراني لم يُحلّ بعد، فقد دخلت قطر وتركيا الفراغَ لتعزيز مكانتهما، وخصوصاً في سورية وقطاع غزة. وفي المقابل، لم يتفكك محور الدول المعتدلة، وعلى الرغم من العقوبات الرمزية التي طالت إسرائيل (استدعاء السفراء، وخطاب متوتر، وتعليق التجارة مع تركيا)، فقد ظلّ التعاون الأمني قائماً وراء الكواليس. وهكذا، عادت إسرائيل إلى معاناتها القديمة جرّاء متلازمة العشيقة في علاقاتها مع الدول العربية، كما كان في العقود السابقة.
- عودة سورية إلى مكانها الطبيعي: سرّعت الحرب عملية انهيار نظام الأسد وخروج سورية من تحالف محور المقاومة، وهذا التغيير لا يفاجئ دارسي التاريخ؛ إذ إن التحالف بين سورية وإيران لم يكن طبيعياً أصلاً، فحتى اندلاع حرب إيران – العراق سنة 1980، كانت سورية حليفة مصر والسعودية، وقد جمعت بين دمشق وطهران صلة علوية – شيعية وعداء مشترك لنظام صدام حسين، ومع سقوط نظام بشار الأسد، انهار أيضاً الأساس المشترك للمصالح. قبل تولّي حافظ الأسد السلطة سنة 1970، كانت سورية ساحة للتدخلات والصراعات الإقليمية، وبهذا المعنى، فإنها عادت اليوم إلى موقعها الطبيعي في النظام الإقليمي. حتى “الغزل” الذي يبديه نظام الشرع تجاه إسرائيل ليس جديداً تماماً، إذ وقّع الأسد الأب اتفاق فصل القوات مع إسرائيل سنة 1974، وأجرى محادثات سلام في التسعينيات، وكذلك فعل بشار الأسد لاحقاً من دون أن تنضج تلك المفاوضات.
- صراع متجدد على الهيمنة الإقليمية: حاول قادة كعبد الناصر في مصر، وصدام حسين في العراق، والأسد في سورية، والقذافي في ليبيا، قيادة العالم العربي، بل وربما الشرق الأوسط بأسره، وسعت إيران أيضاً لهيمنة إقليمية، لكنها فشلت، إذ وقفت أمامها العقبات التاريخية والمذهبية السنية. غير أن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر أوجدت أوضاعاً مواتية لتركيا وقطر ومصر لتعزيز نفوذها. أمّا مصر، فعلى الرغم من أهميتها وحجم جيشها ودورها في غزة، فإن أزماتها الاقتصادية والديموغرافية تحدّ من قدرتها القيادية. وفي هذا الفراغ، يحاول أردوغان التمدد تحت شعار “العثمانية الجديدة”، عبر التدخل المتزايد في سورية وغزة وليبيا، ومع ذلك، فإن الذاكرة التاريخية وتضارب المصالح العربية سيعوقان طموحاته. كما أنّ حجم السعودية وقدراتها الاقتصادية يؤهلانها هي الأُخرى إلى المنافسة على الزعامة الإقليمية.
- عودة القضية الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي: منذ عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة مع تأسيس حركة “فتح” سنة 1959، ومنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، شهدت هذه القضية فترات صعود وهبوط، لكنها لم تختفِ يوماً. وقد حاولت اتفاقيات أبراهام تجاوُزها، لكن هجوم “حماس” أعادها إلى صدارة الأجندة الإقليمية والدولية. كما أن الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية (157 دولة حتى الآن) يجعل من الصعب إعادة الجنّي الفلسطيني إلى القمقم.
- استمرار الصراع داخل البيت الفلسطيني: منذ نشأتها، عانت الحركة الوطنية الفلسطينية جرّاء الانقسامات: بين العائلات الأرستقراطية في عهد الانتداب البريطاني، والفصائل داخل منظمة التحرير، والمنظمة و”حماس” لاحقاً. واليوم، لا تبدو “حماس” في طريقها إلى التفكك، فهي ترى نفسها، إلى جانب السلطة الفلسطينية أو كبديل لها، الممثل الشرعي لقيادة الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال، وطالما لم تتوحّد الساحة الفلسطينية أو تتوصل إلى حد أدنى من التنسيق والاعتراف بواقع وجود إسرائيل، فإن هذا الصراع محكوم عليه بالفشل.
- تزايُد التدخل الأميركي: إن الحضور الأميركي المكثف في المنطقة يتناقض مع وعود ترامب الانتخابية ومع الانسحابات السابقة من أفغانستان وسورية والعراق. وربما يعود هذا الاتجاه إلى الانكفاء في المدى البعيد، لكن حالياً، يبدو أن ترامب مولع بدور “صانع السلام العالمي”، ويعني ذلك تعزيز علاقاته بحلفائه في المنطقة، كالسعودية وقطر وتركيا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، وربما متضاربة، لأن إسرائيل ومصر وبعض دول الخليج لا تنظر بعين الرضا إلى تقاربه مع أنقرة والدوحة ومكانتهما الجديدة في النظام الإقليمي.
- تبدُّل موقع إسرائيل داخلياً وخارجياً: من المرجّح أن الانتصارات العسكرية الإسرائيلية عزّزت قوة ردعها، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف جيرانها من هيمنة مفرطة يمكن أن تدفعهم إلى توطيد علاقاتهم بالولايات المتحدة أو فيما بينهم داخل المنطقة. وحتى الآن، لم تتأثر أشكال التعاون السري بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة، ومن الممكن أن يتزايد الطلب العربي والإسلامي على التكنولوجيا والمعدات العسكرية الإسرائيلية المتقدمة. ومع ذلك، فإن حاجة هذه الدول إلى إسرائيل كجسر إلى واشنطن ربما تَضْعُفُ بسبب تعزز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة. أمّا التقدير القائل إن تركيا وقطر أصبحتا شريكتين مفضلتين لترامب، فهو سابق لأوانه. داخلياً، يبدو أن الانقسامات السياسية والاجتماعية في إسرائيل قد تعمقت، ويمكن أن تنفجر على خلفية قانون التجنيد، والدعوة إلى لجنة تحقيق وطنية، ومحاكمة نتنياهو، والانتخابات القادمة.
خلاصة القول، إن الشرق الأوسط بعد الحرب ليس جديداً، لأن معظم المشكلات التي كانت تميّزه في الماضي لا تزال حاضرة اليوم، لكنه أيضاً ليس قَدِيماً، لأن هناك تغييرات مهمة حدثت فيه. إنه شرق أوسط مختلف، يحمل في طيّاته إمكانية أن يصبح جديداً حقاً، غير أن ذلك يتطلب مواجهة المشكلات المزمنة، التي وإن لم تكن مستحيلة الحل، فإنها تبقى عصيّة على المعالجة.
المصدر: قناة N12
بقلم: إيلي فودى

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
