تتعرض الجمهورية اللبنانية، بكل أجهزتها الرسمية، لمختلف أنواع الفشل القيادي على جميع المستويات، نتيجة استمرار نهج الحكم القائم على المحاصصة والفساد والتبعية والارتهان للخارج وللمصالح الخاصة، على حساب مصلحة الجمهورية ومؤسساتها الدستورية، وعلى حساب مصلحة الشعب اللبناني المُضلَّل نهجًا وفكرًا من قبل السلطات الرسمية والحزبية القائمة.
ويتمحور هذا الفشل القيادي حول واقع سياسي متعفّن ووضع أمني هش، ما تسبّب بأزمة انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي، وبفقدان الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي والإنمائي. وقد أدّى ذلك إلى فقدان ثقة المواطنين بالطبقة السياسية الحاكمة، كما إلى انتهاك حقوق اللبنانيين المنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان، فضلًا عن ضياع حقوق المودعين، وفرض سياسة ضريبية ظالمة، وعجز فاضح عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
واتّسم الفشل القيادي للطبقة السياسية الحاكمة، منذ اتفاق الطائف وصولًا إلى الحكم الحالي، بفقدان السلطات القائمة القدرة على السيطرة الفعلية وفرض سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانية. وقد أدّى ذلك، وفق توصيفات صادرة عن مراكز أبحاث عربية ودولية، إلى تشبيه الواقع القائم بـ«العصابة المنظمة» التي تسيطر على الجمهورية بغير وجه حق، تارة عبر فرض قوانين انتخابية تتلاءم مع مصالحها، وطورًا عبر اعتماد سياسة «التمديد» تحت ذرائع الأوضاع غير المستقرة، علمًا أن هذه الأوضاع هي في الأصل نتاج فشلها السياسي.
وقد استمر هذا الفشل القيادي منذ إقرار وثيقة الطائف، نتيجة دعم المجتمعين العربي والدولي لـ«ميليشيات الأمر الواقع» وتحويلها إلى سلطات رسمية تحت مسميات رؤساء جمهورية، ونواب، ووزراء، ورؤساء أحزاب. وقد أدّى ذلك إلى تجارب شديدة الفشل، اعتمدت على مسؤولين مدنيين وعسكريين، وكانت نتائجها كارثية، وهو ما نشهده اليوم من أزمة هيكلية متجذرة في الجمهورية اللبنانية.
إنّ مسؤولين تطغى مصالحهم الخاصة على مصلحة الجمهورية اللبنانية يشكّلون معضلة هيكلية، تعكس تقديم المنافع الشخصية على حساب الصالح العام، ضمن سلوك ممنهج قائم على نهج سياسي فاسد، تُسخَّر فيه موارد الدولة لخدمة أهداف ضيقة، الأمر الذي أدّى إلى انهيار مؤسسات الجمهورية وإضعاف بنيتها الإدارية والسياسية في مختلف مفاصل الدولة.
وفي واقع الأمور، يلاحظ مركز الأبحاث PEAC أنّ النظام السياسي القائم، ماضيًا وحاضرًا، يُقدّم مصالح الخارج، كما مصالحه الفردية والطائفية والمذهبية، على مصلحة الجمهورية. وهذا الأمر يُعدّ، وفق مبادئ العلوم السياسية، «نهجًا خطيرًا يهدّد سيادة الجمهورية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية»، بما يسمح بالقول إنّ الطبقة السياسية الحاكمة سلكت مسارًا مناقضًا لجوهر النظام الديمقراطي، عبر تسخير مؤسسات الجمهورية لخدمة أجندات خارجية.
واستنادًا إلى الدستور اللبناني، يتمتّع المسؤولون بامتيازات وحصانات واسعة، بحكم تولّيهم أعلى المناصب في إدارات الجمهورية اللبنانية، إلّا أنّ ذلك لا يعني، دستوريًا وقانونيًا، استحالة محاكمتهم أو ملاحقتهم عند ارتكاب جرائم تمسّ مصالح الدولة العليا، أو عند الإخلال بواجباتهم الدستورية، وذلك انطلاقًا من مبدأ المساواة أمام القانون، وتطبيقًا لقواعد العدالة الجزائية.
وبناءً على ما تقدّم، واستنادًا إلى التصرفات المخالفة للدستور ولمبادئ الديمقراطية، وإلى حجم التقصير الوظيفي الظاهر للعيان، يُستنتج وجود قاعدة دستورية جوهرية مفادها: «على قدر السلطة تكون المسؤولية». ومن ثمّ، فإنّ تولّي المناصب والمسؤوليات العامة يستوجب تحمّل التبعة والمسؤولية، بوصف ذلك مبدأً دستوريًا وقانونيًا أساسيًا.
ويشهد النظام السياسي القائم حاليًا تصاعدًا في مظاهر التهرّب من المسؤولية، والتواري عند الحاجة إلى اتخاذ القرار، واعتماد التسويف والتأجيل، وعرقلة مصالح الدولة والشعب، بسبب خشية المسؤولين، مدنيين وروحيين، من تحمّل المسؤولية السياسية والوطنية. وقد أصبحت ردّات الفعل الشعبية والاعتراضات على قرارات السلطة تؤدي إلى تراجع فوري عنها، ما جعل الجمهورية رهينة مسؤولين زمنيّين وروحيّين تسبّبوا بشلل مؤسسات الدولة وتعطيل مصالحها وإفشال مشاريعها، نتيجة خوفهم من اتخاذ القرار، أو خشيتهم من المساءلة، أو خضوعهم لضغوط خارجية غالبًا ما تأتي على حساب السيادة الوطنية ومصلحة الشعب اللبناني.
إنّ حالة طوارئ سياسية مستعجلة باتت مطلوبة اليوم قبل الغد، لأنّ المناصب والمسؤوليات أُسندت إلى غير المؤهلين وغير الأكفاء وغير رجال الدولة، ما أوجد طبقة سياسية فاقدة للرؤية والأهلية والقدرة على اتخاذ القرار. وقد أورث هذا الواقع لبنان عددًا هائلًا من المسؤولين الفاشلين، غير القادرين على اتخاذ قرارات سليمة تستند إلى الدستور والقوانين المرعية الإجراء.
ومن هنا، يكمن الحل في إجراء تعديل وزاري طارئ، لأنّ البلاد بحاجة إلى سلطة قادرة على تحمّل مسؤولياتها وتحمّل تبعات القرار، بما يحفظ الجمهورية ويصون مؤسساتها وسيادتها.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
