مافيا الـValet Parking: حين تصبح الأرصفة رهينة

في الدول الطبيعية، تُخصَّص الأرصفة للمشاة، وتُنظَّم مواقف السيارات بالقانون، وتبقى الشوارع تحت سلطة الدولة. أمّا في لبنان، فقد نشأت خلال السنوات الأخيرة سلطة موازية على الطرقات اسمها الـValet Parking، حتى بات المواطن يشعر أحياناً أنّه يدخل إلى منطقة نفوذ خاصة، لا إلى شارع عام. ما بدأ في الأصل كخدمة محدودة لتنظيم ركن السيارات أمام المطاعم والفنادق، تحوّل تدريجياً إلى ظاهرة متفلّتة تُمارَس فيها سياسة فرض الأمر الواقع، مدعومة بالترهيب والنفوذ وحمايات غير واضحة المصدر.

أثناء وجودي في أحد الأسواق التجارية على ساحل المتن، بدا المشهد صادماً إلى حدّ بعيد. مجموعات من الأشخاص بلباس أسود موحّد، وبمظهر يوحي بالقوة والاستعراض، تنتشر على الأرصفة ومداخل المؤسسات التجارية، وكأنّها سلطة قائمة بحدّ ذاتها. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أنّ المسألة لم تعد مرتبطة بتنظيم ركن السيارات فحسب، بل بتحوّل خطير في مفهوم الفضاء العام نفسه، حيث يفقد المواطن تدريجياً حقّه الطبيعي في الشارع لمصلحة شبكات تفرض سيطرتها، وسط صمت رسمي يثير القلق.

ضمن السياق عينه، تعرّض أحد الأصدقاء لحادثة تختصر بوضوح حجم الانحدار الذي بلغته هذه الظاهرة. فبعد أن رفض دفع مبلغ مالي لأحد عناصر الـValet Parking مقابل ركن سيارته على الطريق العام، فوجئ في صباح اليوم التالي بسيارته وقد تعرّضت لتشطيب متعمّد، في رسالة لا تخلو من الترهيب والانتقام، ما ألحق به أضراراً مادية ومعنوية جسيمة، واضطرّه إلى تحمّل تكاليف إصلاح مرتفعة.

ولم تعد هذه الممارسات مجرّد تصرّفات فردية معزولة، بل باتت تتكرّر بأشكال مختلفة، وتثير قلقاً متزايداً لدى المواطنين. فقد ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي، منذ مدة، بفيديو لامرأة أكّدت تعرّضها لسرقة أغراض من داخل سيارتها أثناء وجودها في أحد مطاعم منطقة ضبيه. وفي واقعة أكثر خطورة، سلّم أحد الأشخاص سيارته لرجل ادّعى أنّه يعمل ضمن خدمة الـValet Parking، ليتبيّن لاحقاً أنّه سارق استولى على السيارة وفرّ بها، في حادثة تكشف حجم الفوضى وغياب الحدّ الأدنى من الرقابة والتنظيم في هذا القطاع.

هذه الوقائع لم تعد مجرّد حوادث فردية أو استثنائية، بل تحوّلت إلى مؤشرات جدّية على خلل بنيوي في تنظيم هذا القطاع، أو على غضّ نظر تمارسه جهات رسمية وبلديات يُفترض بها حماية الأملاك العامة وتنظيم الشوارع، لا تركها رهينة الفوضى والاستباحة.

وأمام هذا الواقع، بات من الضروري إعادة تنظيم القطاع بصورة شاملة وجذرية، بما يضمن حقوق المواطنين ويضع حدّاً للتجاوزات المتزايدة. فبعض التسعيرات أصبح خيالياً وغير مبرّر، وبعض الشركات تتصرّف وكأنّ الشارع ملكية خاصة بها. إنّ معالجة هذه الظاهرة لا تكون عبر البيانات والشعارات، بل من خلال خطوات عملية تبدأ بسحب التراخيص من المخالفين، وفرض رقابة صارمة على الشركات والعاملين فيها، وإخضاعهم لتدقيق أمني وتنظيمي فعلي بإشراف الأجهزة المختصّة، ولا سيّما الشرطة السياحية والأجهزة البلدية والأمنية المعنية.

صحيح أنّ هذا الملف لا يُصنَّف ضمن الأولويات الوطنية الكبرى في ظلّ الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان، إلّا أنّ ذلك لا يبرّر التسليم بالفوضى أو تعليق مبدأ سيادة القانون. فالقسم الأكبر من البلاد لا يعيش في قلب الحرب الدائرة في الجنوب، ولا شيء يمنع الدولة من معالجة الأزمات اليومية التي تستنزف المواطنين وتُفقدهم ثقتهم بالمؤسسات.

إنّ أخطر ما في ظاهرة الـValet Parking ليس المال الذي يُفرض على الناس، ولا الفوضى التي تحتلّ الشوارع، بل اعتياد اللبنانيين تدريجياً على العيش تحت سلطة الأمر الواقع. فحين يصبح المواطن مضطراً إلى الدفع خوفاً على سيارته، وحين تتحوّل الأرصفة إلى إقطاعيات خاصة تُدار بالنفوذ والترهيب، نكون أمام مشهد يتجاوز مخالفة تنظيمية عابرة إلى انهيار فعلي لمفهوم الدولة.

فالدولة التي تعجز عن حماية رصيف، لن تتمكّن يوماً من حماية وطن. والدولة التي تسمح بتحويل الأملاك العامة إلى مصدر ابتزاز يومي للمواطنين، تفقد شيئاً فشيئاً هيبتها وشرعيتها وثقة الناس بها. المسألة لم تعد مرتبطة بخدمة ركن سيارات، بل بثقافة كاملة تقوم على فرض القوة مكان القانون، وعلى إخضاع الناس لمنطق: “ادفع كي لا تتضرّر”. وهذا أخطر ما يمكن أن يعتاد عليه مجتمع يسير تدريجياً نحو التطبيع مع الفوضى.

ويُروى عن Winston Churchill أنّه، خلال الحرب العالمية الثانية، كان يسأل مساعديه عمّا إذا كانت المحاكم لا تزال تعمل، لأنّه كان يدرك أنّ بقاء العدالة يعني بقاء الدولة. أمّا في لبنان اليوم، فالسؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد فقط إن كانت المؤسسات لا تزال قائمة، بل ما إذا كانت الدولة نفسها لا تزال قادرة على فرض سلطتها على شوارعها وأرصفتها، أم أنّها أصبحت، هي أيضاً، خارج سيادتها.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.