وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الذات… نظرة في التحليل النفسي

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصّات ترفيه، بل تحوّلت إلى بنية نفسية موازية تؤثّر في تشكيل الذات، وفي تنظيم الرغبة، وفي تحديد قيمتنا أمام أنفسنا وأمام الآخر.
وفي ظل تضخّم حضور الصورة، أصبح الفرد يعيش في فضاء رمزي جديد يضغط على الجهاز النفسي ويُعيد تنشيط صراعات بدئية لطالما وصفها التحليل النفسي منذ فرويد ولاكان.
هذه المنصّات لا تعيد تمثيل الذات فحسب، بل تُنتج اضطرابات نفسية جديدة نتيجة اشتغالها على النرجسية، الرغبة، الافتقار، ونظرة الآخر.

انبعاث النرجسية البدئية وتصدّع الأنا (فرويد)

يعتبر فرويد أنّ الإنسان يمرّ بمرحلة نرجسية أولية حيث تكون الذات مركز العالم. وسائل التواصل تُعيد إحياء هذه المرحلة بشكل قسري. الفرد يصنع “أنا افتراضية”، يطلب الاعتراف، يقيس حب الذات عبر الخارج.

هنا تُعاد تنشيط آليات دفاع نرجسية بدائية (الإنكار، المثالية، الإسقاط)، وتصبح الأنا هشّة، لأنها تستند إلى صورة قابلة للانهيار في لحظة.

التأثير على الاضطرابات النفسية

  • الاكتئاب النرجسي عند غياب الاعتراف
  • القلق الاجتماعي نتيجة الخوف من فقدان الصورة
  • اضطرابات الأكل بسبب المطابقة القسرية مع صورة الجسد المثالية
  • اضطرابات الشخصية النرجسية والحدّية بسبب التقلب بين المثالية والهبوط الحاد في قيمة الذات

الأنا الأعلى الرقمي: سلطة جديدة تُنتج المعاناة

يرى فرويد أنّ الأنا الأعلى هو مصدر الشعور بالذنب والمعايير الاجتماعية. وسائل التواصل خلقت أنا أعلى أكثر قسوة من أي سلطة اجتماعية سابقة: أجساد مثالية، نجاحات دائمة، سعادة مُعلنة، معايير جمال مصفّاة، حيوات بلا فشل…

هذا الأنا الأعلى المتضخّم يقمع الفرد عبر مقارنة لا تنتهي تجعله يعيش حالة نقد ذاتي مستمر.

النتيجة النفسية: قلق وجودي دائم، تضخم صوت الأنا الأعلى حتى يصبح مُهيمناً (Super-Ego Tyranny)، ازدياد جلد الذات والاكتئاب، وتحوّل الفرد إلى مشروع تحسين ذات لا ينتهي.

وسائل التواصل كمرآة لاكانية: تحطّم الهوية تحت نظرة الآخر

عند لاكان، تتشكّل الهوية في المرآة عبر رؤية صورة موحّدة. لكن وسائل التواصل تقدّم مرآة مُجزّأة ومُفلترة ومُقارنة.

الذات ترى: نسخة محسّنة، نسخة مُراقبة، نسخة يحكمها الآخرون عبر التفاعل، نسخة غير مستقرة، نسخة تحتاج تحديثاً دائماً.

هكذا تتحوّل الهوية إلى بناء هشّ يعيش على حافة الانقسام (Spaltung).

نظرة الآخر وتشييء الذات

يقول لاكان: “الذات تُبنى في عين الآخر”. وسائل التواصل جعلت هذا الآخر متعددًا، مجهولاً، منتشراً، لا يُشبع.

وبالتالي تصبح الذات مملوكة لنظرة غامضة لا يمكن السيطرة عليها.

الاضطرابات الناتجة

  • اضطراب القلق الاجتماعي (Social Anxiety Disorder) بسبب مراقبة الآخر
  • اضطراب الهوية نتيجة الانقسام بين الذات الحقيقية والافتراضية
  • الحالات شبه الذهانية عند التماهي المفرط مع الصورة (Fetishized Ego Image)
  • الإدمان البنيوي على التفاعل (Compulsive Seeking of Other’s Gaze)

الافتقار البنيوي: لماذا لا يشبع أي “Like”؟ (لاكان)

الرغبة عند لاكان مؤسسة على الافتقار، والإنسان لا يشبع من الصورة. وسائل التواصل مبنية على اقتصاد الافتقار:

  • صورة = تحتاج صورة أجمل
  • نجاح = يحتاج إحصاءات أعلى
  • منشور = يحتاج مزيداً من الظهور
  • علاقة = تحتاج إثباتاً جديداً للعاطفة

الفرد يدخل في دائرة لا نهائية من الطلب دون إشباع (The Endless Demand). فتكون النتيجة النفسية: إدمان الدوبامين، قلق التوقع، فراغ وجودي، إحساس مستمر بالنقص (lack)، اندفاعية وتعويض عبر الاستهلاك أو العمليات التجميلية.

تسييل الذات وتحويلها إلى موضوع

تتحول الذات إلى سلعة في اقتصاد المنصّات: تُعرض، تُباع، تُستهلك، تُقاس، تُنتج، وتُبرمج وفق رغبة الجمهور.

هذا التحوّل من ذات إلى موضوع يعطل الوظائف النفسية الأساسية: يضعف القدرة على الاستبطان، يفصل الفرد عن لاوعيه، يسجن الذات في خطاب الصورة، يخلق فجوة بين العيش والتمثيل.

أما الاضطرابات المرتبطة بهذا التحوّل: اضطرابات الشخصية الحدّية، اضطرابات التفكك (Dissociation)، إحساس مزمن باللاواقعية (Derealization)، وانهيار البنية النفسية عند توقف المنصّة عن الاعتراف

لماذا تتفاقم الاضطرابات النفسية في زمن السوشيال ميديا؟

  1. تضخيم الصراعات الداخلية: النرجسية، الأنا الأعلى، رغبة الآخر، الافتقار—كلها بُنى تحدث داخل النفس. وسائل التواصل تضخّمها، تُسرّعها، تجعلها مرئية، وتجبر الفرد على مواجهتها كل دقيقة.
  2. اختفاء المسافة التحليلية: الفرد لم يعد يملك مساحة بين “ما يعيش” و”ما يعرض”. غياب المسافة يؤدي إلى: فقدان القدرة على التفكير، انهيار التنظيم النفسي، وازدياد التوترات اللاواعية.
  3. التنافس النرجسي الجماعي: المنصة تُحوّل المجتمع كله إلى مشهد نرجسي واحد، فتصبح المعاناة نفسية–اجتماعية بنيوية لا فردية.

تبيّن القراءة الفرويدية–اللاكانية أنّ وسائل التواصل ليست مجرد أدوات تكنولوجية، بل قوى نفسية جديدة تغيّر طبيعة الأنا، تُعيد توزيع الرغبة، وتفرض على الذات أن تتحوّل إلى صورة.

النتيجة ليست فقط تغيّراً في السلوك، بل تفاقماً جذرياً للاضطرابات النفسية: القلق، الاكتئاب، اضطرابات الهوية، اضطرابات الشخصية، الإدمان، التفكك ونقص القيمة الذاتية.

إنها بنية حديثة تُحرك غرائزنا، نرجسيتنا، ورغباتنا اللاواعية، وتضعنا أمام سؤال مُلحّ: هل ما زلنا نعيش ذواتنا، أم أصبحنا نعيش نظرة الآخر الرقمية إلينا؟

مقالات الكاتب

د. إيلي أبو شقرا

محلل نفسي