في ظلّ الفوضى وعدم الاستقرار التي تسود بيئة الأعمال في لبنان، ولا سيّما بعد الانهيار المالي عام 2019 وجائحة “كورونا” التي فرضت أنماطًا جديدة على سوق العمل، برزا هذا العام تطوّران أساسيان على صعيد قانون العمل اللبناني.
التطوّر الأول حصل في 16 أيار/مايو 2025، مع صدور القانون رقم 3/25 في الجريدة الرسمية، والذي عدّل المواد 1 و2 و12 من قانون العمل الصادر بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 1946. وقد اعترف التعديل الجديد بأشكال متعدّدة من عقود العمل التي يبرمها أصحاب العمل مع العمّال، بحيث لم يعد التوظيف محصورًا بالعقود بدوام كامل، بل شمل أيضًا العقود بدوام جزئي، العقود الاستشارية، العمل عن بُعد، نظام الساعات المضغوطة، والعمل الموسمي وغيرها.
أما التطوّر الثاني، فتمثّل في 2 أيلول/سبتمبر الماضي، حين تقدّم النوّاب حليمة قعقور، مارك ضو، وبلال عبدالله باقتراح قانون لتعديل شامل لقانون العمل الحالي، بما في ذلك القانون رقم 3/25 نفسه. ويتضمّن الاقتراح إلغاء الصيغة الشفهية لعقد العمل، وإلزام أصحاب العمل والعمّال بإبرام عقد خطّي، فضلًا عن تعديلات تتصل بـ”لجنة المؤشّر”، وإجازة الأمومة، ومكافحة التحرّش الجنسي، وحقّ العمل لذوي الإعاقة، وتعزيز ضمانات الصحة والسلامة المهنية في مكان العمل، وسواها من البنود. وقد أُحيل الاقتراح إلى مجلس النواب لمتابعة دراسته.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذين التطوّرين جاءا في سياق محاولةٍ لسدّ أبرز ثغرات قانون العمل اللبناني القائم منذ 79 عامًا، إذ لا تزال فئات واسعة من العاملين خارج مظلّته القانونية، كالعاملين في القطاع العام، والعمّال الزراعيين، والعمّال المنزليين، والعاملين لحسابهم الخاص. كما يعاني القانون من قِدَم نصوصه وعدم مواكبتها لتطوّرات سوق العمل الحديثة، وضعف حماية حقوق العمّال في ما يتعلّق بالأجر والصرف التعسّفي، وتدنّي تعويضات نهاية الخدمة مقارنة بالأنظمة المعمول بها في الدول المتقدّمة، فضلًا عن استمرار التمييز بين الجنسين في بعض الأحكام. ويُضاف إلى ذلك القيود المفروضة على تأسيس النقابات واستقلاليتها، ما يحدّ من قدرة العمّال على الدفاع عن حقوقهم بفعالية.
وعليه، فإنّ قانون العمل اللبناني بات بحاجة ماسّة إلى تحديثٍ شامل يواكب التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، ويوفّر حماية عادلة وفعّالة لكل فئات العاملين. غير أنّ التحدّي الجوهري يكمن في أن يكون هذا التحديث موجّهًا نحو توسيع مظلّة الحماية القانونية والاجتماعية لجميع العمّال والعاملات، لا نحو تجزئتها.
ويبقى السؤال: هل سيتمكّن مشروع القانون المطروح أمام مجلس النواب من تحقيق هذا الهدف؟ خصوصًا أنّ التعديل الجزئي الوارد في القانون 3/25 لا يرقى إلى مستوى الإصلاح البنيوي المطلوب، إذ من المفترض أن يُعالج الخسائر التي لحقت بالعمّال خلال العقود الماضية بسبب تجزئة الأجر (راتب أساسي، بدل نقل، تقديمات اجتماعية وصحية)، وأن يأخذ في الاعتبار أنّ تنويع عقود العمل يجب ألا يكون ذريعة لتجزئة العمّال أو لتفتيت مصالحهم.
قبل الإجابة على هذه الأسئلة، لا بدّ من التوقّف عند الملاحظات التي سُجّلت على القانون رقم 3/25، الصادر في أيار الماضي تحت عنوان “قانون العمل المرن”، في سياق تعاون بين الأمم المتحدة (الإسكوا) ولجنة المرأة والطفل في البرلمان.
وبحسب المختصّين، فإنّ هذا القانون “يُكرّس النظرة النمطية لدور المرأة الرعائي، ويُجرّده من قيمته الاقتصادية، متجاهلًا الجوانب الأخرى التي تُساهم في تهميش النساء اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وعلى رأسها الفجوة في الأجور بين النساء والرجال. كما أن مضمونه يفتح مساحات إضافية لاستغلال النساء في سوق العمل، من خلال الاستفادة من تجزئة عقود العمل بما يخدم إساءة تصنيف العمل، إذ يميل أصحاب العمل إلى تشغيل النساء بعقود جزئية أو استشارية لأداء وظائف كاملة ولكن بأجور وضمانات أقل، ما يُعزّز الفجوة في الأجور وأشكال التمييز كافة”.
أما المآخذ على مشروع القانون المطروح حاليًا أمام مجلس النواب، فتتمثّل في عدم معالجته لمشكلة تجزئة الأجر وغياب تعريف شامل وصارم له، إذ تعامل مع مسألة الأجور على أنها مسألة شكلية تقتصر على تحويل مرسوم تشكيل لجنة المؤشّر إلى مادة في قانون العمل، من دون إدخال أي تعديلات جوهرية على آليات عمل اللجنة وصلاحياتها وهيكليتها وتشكيلها.
أما المأخذ الثاني فيكمن في تجزئة عقود العمل بهدف تجزئة العمّال ومصالحهم، وهو ما يُضعف موقعهم التفاوضي أكثر ويخضعهم لشروط استغلالية إضافية.
ضو: مشروع القانون سمح للعمّال بالمطالبة الجماعية بحقوقهم
يُوضح النائب مارك ضو لموقع “بيروت 2030” أن “مشروع القانون الذي قدّمته مع زملائي، سهّل تشكيل النقابات، وسمح بتنظيم قطاعات جديدة، خصوصًا في ما يتعلق بالعمل المرن، كما أتاح للعاملين في هذه القطاعات إمكانية تنظيم أنفسهم وصفوفهم”.
ويُضيف أن “التعديل شمل موظفي القطاع العام الذين كانوا محرومين من حقّ التنظيم والمطالبة الجماعية بحقوقهم (باستثناء العسكريين)، إذ سُمِح لهم بذلك بموجب التعديل القانوني. وبالتالي، نحن لم نُجزّئ العمل، بل فتحنا أبوابًا أوسع للعمل النقابي”.
وفي ما يخصّ تجزئة الأجر، يوضح ضو: “لا أوافق على هذا الطرح، لأن جزءًا مما يتقاضاه العامل هو بدلات، مثل بدل النقل وبدل التمثيل، وهذه تخضع لإعفاءات ضريبية. فإذا جرى ضمّها إلى الراتب الأساسي، ستُخضعها الضريبة، وهذا الأمر يُضرّ بالعمّال أكثر ممّا يُفيدهم”.
أبو الزور: قانون يُواكب التطوّر ويوحّد مبدأ العمل على المستوى القانوني
من جهتها، تشرح المحامية دينا أبو الزور – التي شاركت في إعداد مشروع القانون – لموقع “بيروت 2030” أن “الاقتراح المقدَّم من النواب الثلاثة يأتي بعد 79 عامًا من تطبيق القانون النافذ حاليًا، وهو يهدف إلى مجاراة التطوّر الحاصل في أنماط العمل المختلفة اليوم، مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ العدالة الاجتماعية كركيزة أساسية، والتطوّر الحاصل في سوق العمل عالميًا وليس فقط في لبنان”.
وتُشدّد أبو الزور على أن “أهمية المشروع تكمن في أنه يسير ضمن المعايير الدولية التي حدّدتها اتفاقيات قائمة، وقد جرى الاستئناس بها لاستخلاص أفضل نموذج لقانون عمل حديث، يُوحّد الشرذمة التي تطبع القانون الحالي، وما تفرّع عنه من مراسيم تُثير إشكالات عدّة في كيفية نيل العمّال حقوقهم وآلية تطبيق النصوص القانونية ذات الصلة”.
وتُضيف: “أول ما جرى العمل عليه هو توحيد جميع القوانين والمراسيم القائمة في قانون واحد يُجاري التطوّر ويوحّد مبدأ العمل على المستوى القانوني. وأبرز ما قدّمه مشروع القانون أنه وضّح مفهوم الأجير ووسّع نطاقه ليشمل أكبر عدد ممكن من العمّال، بما في ذلك عقود العمل المرنة، والعمل بدوام جزئي، والعمل عن بُعد، إلى جانب عقود العمل التقليدية.
ومن الضروري أن تكون هذه الأنواع من العقود مشمولة ضمن إطار موحّد في القانون لضمان التعاطي معها بطريقة متجانسة. كما ألغى مشروع القانون العقود الشفهية بين العامل والمُستخدم، وأصبح من اللازم وجود عقود مكتوبة تضمن حماية العمّال”.
وتُشير إلى أن مشروع القانون الجديد خصّص اهتمامًا واسعًا بالنساء العاملات وصون حقوقهنّ، خصوصًا في ما يتعلق بالأمومة والرضاعة، وحاول أن يكون أكثر إنسانيةً في مقاربة عمل المرأة بعد الأمومة. كما خلق بيئة عمل آمنة تحمي من التحرّش، وأخذ بعين الاعتبار حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة عبر تحديد كوتا محدّدة لتوظيفهم في المؤسّسات. كذلك، أعطى المشروع إطارًا واضحًا للعمل النقابي لكل من العمّال وأرباب العمل، بحيث أصبح أكثر تنظيمًا واتساعًا، وضمن توافق مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وتختم: “لقد لحظ مشروع القانون تدابير خاصة بالعمالة الأجنبية، ولا سيّما العامِلات الأجنبيات، لناحية حمايتهنّ وصون حقوقهنّ وطريقة التعاطي معهنّ، إلى جانب الحد من عمالة الأطفال، وهي نقطة جوهرية تهدف إلى حماية الطفولة من أي استغلال أو تشغيل قسري”.
الأسمر: الاتحاد سيُجري التعديلات التي تحفظ حقوق العمّال
أما رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر فقد أوضح في حديث إلى “بيروت 2030″، أنه تسلّم نسخة من مشروع القانون المقدَّم من النواب الثلاثة بالتنسيق مع المرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظّفين منذ فترة وجيزة، لافتًا إلى أنّ “رئيس المرصد الدكتور أحمد الديراني أبدى استعداده للحوار مع الاتحاد حول أي تعديلات يمكن أن تُطرح على مواد القانون”.
وذكّر الأسمر بأنّ الاتحاد سبق أن شارك في لجنة برعاية وزارة العمل، تضم ممثلين عن أصحاب العمل، وبالشراكة مع منظمة العمل الدولية، وكانت مهمّتها إدخال تعديلات أساسية على القانون الحالي، إلا أنّ الظروف الأمنية والاقتصادية التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة حالت دون صدور مشروع قانون جديد.
ويُضيف: “بعد تسلّمنا نسخة من مشروع القانون، سنُجري مقارنة دقيقة بين ما أعدّته اللجنة السابقة وبين ما هو وارد في المشروع الحالي الموجود أمام مجلس النواب، تمهيدًا لإدخال التعديلات التي تصبّ في مصلحة العمّال. فكل التحركات الجارية اليوم مردّها إلى أن المراسيم التي تصدر غالبًا ما تكون في مصلحة أصحاب العمل دون سواهم”.
ويختم قائلًا: “يُجري الدكتور الديراني حاليًا اتصالات مكثّفة للتوصّل إلى صيغة توافقية بين جميع الأطراف المعنية بمشروع القانون – أي الاتحاد العمالي العام، الهيئات الاقتصادية، وهيئات المجتمع المدني. ومن الطبيعي أن يكون أمام المشروع طريق طويل من النقاش والدراسة والتعديل قبل أن تبدأ اللجان النيابية بدراسته، لكن يمكن القول إنّ محاولة تحديث قانون العمل اللبناني دخلت أخيرًا المسار الصحيح”.

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
