من الناحية القانونية والدستورية، يحقّ للبنانيين أن يتساءلوا: من منح أي وفد رسمي لبناني صلاحية الإيحاء بأنّ إسرائيل لم تعد دولة عدوّة للبنان؟
فحتى هذه اللحظة، لا يزال لبنان وإسرائيل في حالة نزاع، ولم تُوقَّع بينهما معاهدة سلام. كما أنّ القانون اللبناني يقرّ بهذا العداء، وأي تغيير في هذا الواقع يحتاج إلى تشريعات وعمل مؤسساتي واضح. ولم يُقرّ أي اتفاق ينهي حالة العداء القائمة قانونًا وسياسيًا. كذلك، لا تزال أراضٍ لبنانية تحت الاحتلال، ويتعرّض المواطنون العزّل يوميًا للقتل المتعمّد نتيجة الانتهاكات والاعتداءات المتكرّرة منذ أكثر من 93 يومًا، فيما تبقى أجزاء من الأراضي اللبنانية موضع نزاع واحتلال.
إنّ تغيير توصيف العلاقة مع إسرائيل ليس قرارًا إداريًا يتخذه وفد أو مسؤول، ولا يدخل ضمن صلاحيات سفير، بل هو مسألة سيادية كبرى تتصل بالدستور والإرادة الوطنية والمؤسسات الدستورية مجتمعة. فلا يملك أي وفد تفاوضي أو سياسي حق تعديل الثوابت الوطنية أو إعادة تعريف طبيعة الصراع بمعزل عن الدولة ومؤسساتها الشرعية. ويضاف إلى ذلك أنّ نظام الحكم في لبنان هو نظام جمهوري ديمقراطي برلماني، يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والتعاون بينها، إلا أنّ ما يميّز النظام اللبناني بصورة أساسية هو طابعه التوافقي.
والأخطر من ذلك أنّ أي خطاب سياسي يتجاوز واقع النزاع القائم، ويتعامل مع إسرائيل كطرف طبيعي قبل معالجة قضايا الاحتلال والاعتداءات والانتهاكات، يشكّل انتقالًا من منطق الدفاع عن الحقوق الوطنية إلى منطق التسليم بالأمر الواقع.
إنّ السؤال المطروح اليوم ليس سياسيًا فحسب، بل هو قانوني ودستوري بامتياز: من فوّض وفد رئيس الجمهورية رفع صفة العداء عن إسرائيل؟ وأين هو القرار الدستوري أو الوطني الذي يمنحه هذه الصلاحية؟ وهل يحمل هذا الوفد تفويضًا من المجلس النيابي؟
إنّ سيادة الدول لا تُدار بالتصريحات، والحقوق الوطنية لا تُسقطها البيانات، والتاريخ يعلّمنا أنّ أي تسوية لا تقوم على العدالة واحترام السيادة والدستور، ولا تقف أمام تضحيات الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الدفاع عن أرض الوطن، تبقى مشروع أزمة لا مشروع سلام مع عدوّ يحمل سجلًا بالغ القسوة في قتل الأطفال والمدنيين.

عبدالله ناصرالدين
كاتب وباحث يتناول التحليلات السياسية في الشأن اللبناني والعلاقات الإقليمية.
