الشعبية هي الفعل الذي يحاول من خلاله المسؤول أن يُظهر نفسه بسيطاً وقريباً من الشعب. لكن يفوته أن هناك فرقاً بين التلقائية والبساطة، وبين الافتعال الذي قد يعطي مردوداً عكسياً في نظر الرأي العام، الذي بات يمتلك قدراً من التفكير النقدي ولا ينخدع بالصورة. فهل يكفي أن يكون المسؤول قريباً من الناس، أم أن العبرة تكمن في ما يحققه على الأرض من إنجازات فعلية؟
ومن اللافت في لبنان كيف اعتاد السياسيون القيام ببعض التصرفات البسيطة، كتجربة الأكل الرخيص، على غرار ما قامت به الحكومة الأولى في عهد الرئيس إميل لحود، عندما تناول الوزراء سندويشات لبنة وجبنة ليُظهروا أنهم حريصون على المال العام، وذلك نكاية بالرئيس الراحل رفيق الحريري. واليوم يتكرر هذا المشهد مع الرئيس جوزاف عون، الذي انتشر له فيديو وهو يأكل الفلافل. كما أن الرئيس نواف سلام لم يُقصّر في هذا السياق، إذ أجرى مقابلة تلفزيونية من داخل الاستديو ليُظهر من خلالها أنه قريب من الناس، في حين لم يكن أحد ليعترض عليه لو أجرى المقابلة من السراي الحكومي، خصوصاً أنه يمثل مقام رئاسة الحكومة. بل كان الأجدى به أن يجري مقابلة مباشرة مع الناس، ويدعو الشباب إلى الإدلاء بآرائهم من داخل القصر الحكومي.
إن القرب الحقيقي من الناس هو القرب الذي يخدم مصالحهم، ويمنع عنهم الفوضى والحروب، ويؤمّن لهم الاستقرار والمعيشة اللائقة. أما القرب المفتعل، فهو ذاك الذي يتجلى في مشاهد إعلامية غير تلقائية ومعدة مشهدياً.
والسؤال الجوهري الذي يُفترض أن يُطرح هو: لماذا يلجأ المسؤول إلى الإيحاء بالظهور العفوي؟
الجواب بسيط إلى حدٍّ كبير. فغالباً ما يدفع شعور المسؤول بقلّة الإنجازات الفعلية، وتشكّل ملامح اعتراض جدي في الأفق، إلى اعتماد هذا السلوك الشعبي، في محاولة للتعويض عن ذلك من خلال إعادة بناء صورته، ليبدو قريباً من الناس ومتفاعلاً مع قضاياهم. وقد ساهمت الطفرة في وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا التوجه، إذ أسهمت في انتشار هذه الفيديوهات والصور، وتضخيم تلك الأفعال، بما يعيد فرض حضور من في السلطة كفاعلين أقوياء ومؤثرين. كذلك يُبدي المسؤول رغبة في بناء علاقة عاطفية سريعة مع الجمهور، بدلاً من نسج علاقة قائمة على ثقة طويلة الأمد، والتي لا تتأتى إلا من خلال الإنجازات الفعلية والملموسة شعبياً.
بيد أن لتلك الأفعال مخاطر عميقة على الرأي العام، إذ إن مهمة المسؤول هي التنوير والنطق بالحقائق، والمساهمة في إعادة بناء المجتمع على أسس الانتماء الوطني الحقيقي، بما يمكنه من القيام بدوره في المساءلة والمحاسبة، بدل التلاعب بعواطفه بتلك الصور الدعائية، التي ما تلبث أن تتلاشى في غياهب النسيان. فالمطلوب هو تعزيز النقاش حول السياسات العامة وجدواها، وإلى أي مدى التزمت السلطة ببرنامجها أو ببيانها الوزاري. غير أن هذه الممارسات تُضعف المحاسبة، وتشغل الناس بالمظاهر، ما يؤدي إلى إضعاف النظام الديمقراطي الفعلي، القائم على تداول السلطة والمحاسبة على النتائج لا على الصور. إن أول ما ينبغي أن يقوم به المسؤول هو تعزيز ثقافة فعلية، لا ثقافة سطحية تنخدع بالصورة والدعاية المزيفة.
إن معيار الحكم الحقيقي لا يُقاس بما يتحقق من خلال المشاهد المحضّرة مسبقاً أو الدعاية السياسية، بل من خلال جودة السياسات العامة التي تُحسّن حياة المواطن، وتُخفف عن كاهله، وتوفر له فرص عمل والحياة الكريمة، لا سيما لدى فئة الشباب، فضلاً عن حسن إدارة الأزمات والاستجابة لتحدياتها. والسلطة مسؤولة، قبل غيرها، عن العمل وفق مبدأ الشفافية، وتعزيز المساءلة، وبناء آليات حوكمة فعالة. وكل ذلك يمكن قياسه من خلال المقارنة بين الصورة والنتيجة المتحققة على أرض الواقع.
في المحصلة، لا تكمن قيمة المسؤول في قدرته على الظهور بمظهر القريب من الناس، بل في قدرته على أن يكون فعلاً في خدمتهم وتحقيق أمنهم وازدهارهم. فالصورة، مهما بدت جذابة، تبقى لحظة عابرة، أما الإنجاز فيبقى أثراً مستداماً في حياة المواطنين. وبين من يكتفي بصناعة المشاهد العاطفية، ومن يعمل على صنع الواقع كما هو، يتحدد الفارق الحقيقي في معنى الحكم الرشيد. من هنا، فإن وعي الرأي العام يبقى الرهان الأساسي، إذ إن مجتمعاً يُحسن التمييز بين الصدق والافتعال، وبين الفعل والصورة، هو وحده القادر على فرض معايير حقيقية للمحاسبة، وإعادة توجيه الحياة السياسية نحو جوهرها المتمثل بخدمة الناس وحماية مصالحهم، لا الاستعراض أمامهم عبر مشهدية تقول الكثير، إنما بمردود قليل.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
- د. مجيد مطر#molongui-disabled-link
- د. مجيد مطر#molongui-disabled-link
- د. مجيد مطر#molongui-disabled-link
- د. مجيد مطر#molongui-disabled-link
