في تطوّر لافت يعكس تنامي دور القضاء في الحياة السياسية الفرنسية، أصدرت إحدى المحاكم في باريس حكمًا بسجن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لمدة خمس سنوات، في إطار قضية التمويل غير المشروع لحملته الانتخابية عام 2007 من مصادر ليبية. ويُعد هذا الحكم غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة، ويعكس توجّهًا واضحًا نحو تعزيز رقابة القضاء على الممارسات السياسية. هذا التوجّه لا يقتصر على ساركوزي، بل شمل شخصيات سياسية بارزة أخرى، مثل رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا فيّون، والوزير السابق برنار تابي، بالإضافة إلى زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، التي صدر بحقها حكم قد يمنعها من الترشح للرئاسة المقبلة.
أما في الولايات المتحدة، فالوضع مشابه من حيث الدور المتزايد للقضاء، حيث واجه الرئيس السابق دونالد ترامب سلسلة ملاحقات قضائية أثّرت على مسيرته السياسية، وأعاقت عددًا من قراراته المثيرة للجدل. هذه المعطيات تعكس توجّهًا متزايدًا في الأنظمة الديمقراطية نحو تفعيل مبدأ المحاسبة، وتعزيز استقلالية القضاء في مواجهة التجاوزات السياسية، بما يعيد رسم حدود السلطة ويوطّد دولة القانون.
تشهد الساحة الفكرية في الآونة الأخيرة تصاعدًا في الانتقادات الموجّهة لما يُعرف بـ”جمهورية القضاة”، حيث يرى بعض الكتّاب أن تمدّد دور القضاء قد يُهدد مبدأ الفصل بين السلطات، أحد الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي الليبرالي. فبدل أن يكون القاضي ضامنًا لتطبيق القانون، بات في نظر منتقديه بديلًا غير منتخب للناخب، يتحمل أدوارًا تتجاوز وظيفته القضائية إلى حماية قيم الشفافية والعدالة والشرعية.
هذا التحوّل يعكس جدلًا جوهريًا في قلب الأنظمة الديمقراطية حول العلاقة بين الشرعية السياسية، المستمدة من الانتخابات الحرة، وبين دولة القانون التي تُعد الضامن الأول لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن كانت لا تستمد مشروعيتها من صناديق الاقتراع.
لكن المعضلة تبرز عند تقاطع السلطات، لاسيما بين القضاء والسلطة التنفيذية: فالرئيس أو الوزير، رغم تمتّعه بشرعية انتخابية، يبقى في جوهر النظام الديمقراطي موظفًا مكلّفًا بتنفيذ القوانين الصادرة عن البرلمان، في ظل رقابة قضاء مستقل يتمتع بصلاحيات غير مقيدة في كثير من الأحيان. هذا التوتر بين الشرعيتين، التنفيذية والقضائية، يُثير تساؤلات حيوية حول حدود كل سلطة، ويكشف مدى دقة التوازن الديمقراطي، خاصة حين يُشتبه في استخدام القضاء كأداة للصراع السياسي.
أمام مشهد دولي يسوده العبث وتفكك المرجعيات التقليدية، يقف المواطن اللبناني في مواجهة ذاته، ليس كفرد معزول، بل كفاعل سياسي يعيش داخل دولة تتنازعها التناقضات وتثقلها أعباء التاريخ والجغرافيا. في هذا السياق المضطرب، يغدو الحديث عن “دولة القانون” أقرب إلى تعبير مجازي منه إلى واقع مؤسسي فعلي، حيث تتآكل أسس العدالة تحت وطأة التدخلات السياسية، وتُفرغ النصوص الدستورية من مضمونها من خلال ممارسات تعطيلية ممنهجة.
لم تعد عبارة “بيروت أم الشرائع” سوى صدى نوستالجي لمرحلة مضت، لا تعكس انهيار البنية المؤسساتية الراهنة. وفي خضم هذا التآكل، تبرز إشكالية مركزية: هل يشكّل استقلال القضاء غاية بحد ذاته، أم أنه وسيلة لضمان التوازن الديمقراطي بين السلطات، ومنع هيمنة إحداها على الأخرى؟
إن الأزمة التي تعصف بالقضاء اللبناني ليست أزمة تقنية أو إدارية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة بنيوية تمسّ طبيعة العقد الاجتماعي نفسه. فاستقلالية السلطة القضائية، التي تُعدّ من ركائز الدولة الحديثة، لا يمكن اختزالها في نصوص قانونية أو ضمانات شكلية، بل تتطلب بيئة سياسية وأخلاقية تؤمن بضرورة الفصل بين السلطات، وتُدرك أن العدالة سلطة قائمة بذاتها، تمارس دورها في حماية الحقوق وصون الحريات.
إن مقاربة القوانين المتعلّقة بالقضاء في لبنان، في ضوء هذا الواقع، تقتضي إعادة نظر جذرية في الفلسفة التي تحكم العلاقة بين المواطن والدولة. فالمطلوب ليس فقط تحديثًا تشريعيًا، بل إعادة تأسيس لمفهوم العدالة بوصفها قيمة عليا، لا تخضع للتأويل السياسي، ولا تُختزل في إجراءات شكلية. وهذا يستدعي، أولًا، تحصين القضاء من التدخلات، وثانيًا، إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة القضائية، وثالثًا، ترسيخ ثقافة قانونية مدنية تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتُعلي من شأن المصلحة العامة.
في المحصلة، يستحيل الحديث عن دولة قانون حقيقية من دون قضاء مستقل، كما لا يمكن تصور قضاء مستقل في ظل نظام سياسي يعمد إلى تقويض استقلاليته عبر المحاصصة والضغوط. وبين الحنين إلى دولة لم تكتمل ملامحها، والخوف من مستقبل بلا مرجعية ولا ضمانات، يبقى اللبناني معلقًا في فراغ مؤسساتي قاتل.
فهل نملك، كمجتمع ونخب فكرية وسياسية، الشجاعة الكافية لإعادة طرح السؤال الجوهري: أي دولة نريد؟ وأي عدالة نستحق؟

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
