إعلان رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي عن قيام «تحالف استراتيجي» بين الهند وإسرائيل كان، بطبيعة الحال، تطورًا خطيرًا بما فيه الكفاية، وإن لم يكن مفاجئًا. غير أنّ في ثنايا هذا التطور ما هو أخطر؛ إذ إن هذه الخطوة دشّنت، في الواقع، ما يمكن أن يكون بداية مرحلة تاريخية كبرى جديدة في المنطقة العربية–الإسلامية، مرحلة ستتغيّر فيها طبيعة لعبة الصراع واللاعبين، والمضامين الإيديولوجية التي سيُخاض على أساسها هذا الصراع الجديد، مع عمقه الجغرافي–الديموغرافي المستجد.
ما سمات هذه المرحلة الجديدة في تاريخ المنطقة؟
يحملنا هذا السؤال إلى التدقيق في طبيعة النظام الدولي الذي يتشكّل الآن وتحت أعيننا مباشرة، ليحلّ محل نظام العولمة الأميركية المنفردة الذي استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى حقبة الركود الاقتصادي الكبير عام 2008.
بدأت ملامح هذا النظام الجديد تتضح تدريجيًا تبعًا للمعطيات الآتية:
أولًا:
بدء الانتقال من السوق العالمي الموحّد إلى الأسواق الإقليمية الفرعية، التي لن تفكّ ارتباطها بالعولمة بقدر ما ستُدخلها في مرحلتها الثانية الجديدة: مرحلة تعزيز الإدماج والتكامل الإقليميين، بالتوازي مع تدعيم العولمة عبر «الرقمنة» والفضاء السيبراني الجديد. وبعبارة أوضح، سينتقل مركز العولمة من نيويورك إلى مراكز عدة في العالم، مع الإبقاء على شبكات الاتصال بين هذه المراكز عبر اقتصادات الثورة التكنولوجية الرابعة.
ثانيًا:
غير أنّ هذه النقلة الكبرى ستتضمّن أيضًا في تضاعيفها عودة الجيوبوليتيك من النافذة، بعد أن ظنّ الجميع أنه طُرد من الباب طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. وقد تجسّد ذلك أساسًا في فلسفة وتوجهات وطبيعة الاتحاد الأوروبي، وفي اندفاع الولايات المتحدة إلى إدماج الصين والهند، وقبلهما أوروبا واليابان، في عولمتها الاقتصادية–الثقافية.
مثل هذه العودة ستدفع بالنظام العالمي نحو وجهة فريدة قد لا يكون لها سابق في التاريخ: تنافس جيوسياسي بين الدول الكبرى الجديدة–القديمة في العالم (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، روسيا، والهند) على مناطق النفوذ الإقليمي–الجغرافي، تمامًا كما كان الأمر خلال صراع الإمبرياليات الأوروبية في القرن التاسع عشر؛ وفي الوقت نفسه، تزويج هذا الصراع الجيوسياسي بإيديولوجيا العولمة الرأسمالية، ليس فقط عبر سلاسل التوريد، بل أيضًا – وربما أولًا وأساسًا – من خلال نقل الإدماج والاندماج إلى ملكوت الفضاء السيبراني.
آثار أقدام هذه العلاقة الغريبة بين النزعتين الإقليمية والعالمية مبثوثة في كل مكان: في سلوكيات الرئيس فلاديمير بوتين، الذي أدرك مجددًا طبيعة الصراع الجديد في العالم، فانطلق منذ عام 2014 للسيطرة على الجوار الإقليمي الروسي، من جورجيا وبيلاروسيا إلى أوكرانيا، معلنًا أن تفكيك الاتحاد السوفييتي «كان أكبر خطأ جيوستراتيجي» في القرن العشرين، لكنه في الوقت ذاته كان يشدّد ويكرّر باستمرار التزامه بقواعد عمل العولمة والنظام الاقتصادي العالمي القائم.
ثم جاء دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حدّد منذ اليوم الأول لولايته الثانية الهدف الإقليمي الجديد لبلاده، في إطار النظام العالمي الجديد، وهو ضمّ كندا كولاية أميركية، ثم من بعدها دول أميركا اللاتينية العشرين (أي تحوّل الاتحاد الأميركي من 50 ولاية إلى 70 دولة)، ثم مدّ هذا المولود الجديد المفترض إلى مناطق في المحيط الهادئ، وجزيرة غرينلاند، والقطب الشمالي.
وبمناسبة الحديث عن القطب الشمالي، يجزم العديد من كبار المحللين الأميركيين بأنه سيكون «مركز حضارة عالمية جديدة» بفعل تغيّر المناخ الذي سيضرب «الأرض الوسطى»، أي النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، لكنه سيجعل القطب الشمالي المنطقة شبه الوحيدة في العالم القابلة للزراعة والسكنى والموارد، إذ يحتوي على نحو 30 في المئة من المياه العذبة في العالم، ولا سيما أن المياه بدأت تحلّ محل النفط كأساس للصراع في مختلف أنحاء العالم.
ثالثًا:
هنا يأتي دور الدول الكبرى الأخرى، حيث سيعمد الاتحاد الأوروبي إلى التركيز على جواره الجغرافي في حوض المتوسط وإفريقيا، شرط أن ينجح أولًا في تسوية مشكلته مع روسيا، إما بالعمل على تفكيكها عبر الصراعات والحروب كما هو حاصل الآن، أو بتقديم عروض جدّية لدمجها في الاتحاد الأوروبي أسوة بدول أوروبا الشرقية.
ثم يأتي دور الهند والصين. فهاتان الدولتان الكبريان الجديدتان تعانيان أزمة كبرى تتعلق بحاجتهما الكثيفة إلى إمدادات الطاقة، التي من دونها قد يتقوّض اقتصادهما وتتمرّد طبقتهما الوسطى الناشئة. وحين نتحدث عن الطاقة، لا مجال حيويًا للصين والهند سوى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، اللتين تستوردان منهما جلّ حاجتهما من النفط والغاز.
بل أكثر من ذلك، فكلتا الدولتين مستعدتان لخوض حروب كبرى في حال تعرّضت إمدادات الطاقة لهما للخطر، تمامًا كما فعلت اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، حين اضطرت إلى خوض الحرب مع الولايات المتحدة بعد قطع نفط جنوب شرق آسيا عنها، وكما اضطرت ألمانيا إلى غزو الاتحاد السوفييتي لتأمين النفط في أراضيه كما في آسيا الوسطى.
هل اتّضحت بعض ملامح الصورة الجديدة الآن؟
يفترض ذلك. فقريبًا سينتقل الصراع في المشرق المتوسطي من الحضن الأميركي–الأوروبي إلى البوتقة الهندية–الصينية، ولا سيما أن الولايات المتحدة أعلنت منذ عهد الرئيس باراك أوباما عام 2008 قرارها مغادرة الشرق الأوسط للتفرّغ لحوض الباسيفيك. أما الرئيس ترامب، فعلى الرغم مما يبدو عودةً إلى المنطقة عبر الحشود العسكرية الراهنة ضد إيران، فإنه في الواقع يسعى فقط إلى ضمان السيطرة على إمدادات النفط في إطار المجابهة مع الصين، ثم العمل بعد ذلك على «توكيل» المنطقة لكل من الهند وإسرائيل.
ويبدو واضحًا أن الهند، سواء بتوكيل أو من دونه، مستعدة للاندفاع بكل قوتها نحو الشرق الأوسط، أساسًا عبر البوابة الإسرائيلية، وربما عبر بوابة عربية أخرى. وهذا، على أي حال، هو مضمون مشروع الممر الاقتصادي الإقليمي الشهير (IMEC)، الممتد من الهند إلى إسرائيل مرورًا ببعض دول الخليج.
وكما الهند، كذلك الصين. فعلى الرغم من أنها اكتفت بدعم عسكري لوجستي لإيران في المجابهة الراهنة مع الولايات المتحدة، إلا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تعمّدت أميركا وقف إمدادات النفط عنها، إذ تستورد بكين نحو 50 في المئة من نفطها من إيران. ولا ننسى أن الصين كانت قد ردّت أصلًا على محور نيودلهي–تل أبيب برمي ثقلها إلى جانب تشكيل محور إيراني–سعودي، مدعوم بالقوة العسكرية الباكستانية الحليفة لها.
وعليه، لا يتوقّعن أحد أن تقبل الصين بتشكّل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، سواء داخل الممر الاقتصادي الإقليمي – الذي يُقصيها أصلًا – أو خارجه، يستند إلى النظام السداسي الذي طرحه مؤخرًا بنيامين نتنياهو، والقائم على الهند وإسرائيل وأربع دول عربية وإسلامية لم يُحدّدها.
وتبعًا لهذا الصراع الدولي–الإقليمي الجديد، يمكن توقّع بروز تكتل إقليمي يشكّل ندًّا للتكتل الهندي–الإسرائيلي، يضم مصر وتركيا والسعودية وإيران وباكستان، بالتحالف مع الصين.
إن إعلان مودي عن إبرام تحالف استراتيجي مع إسرائيل لن يكون، في الواقع، سوى رأس جبل الجليد المختفي تحت سطح البحر: جبل من التحولات العالمية–الإقليمية الكبرى في المشرق المتوسطي.
وإذا سمحنا لأنفسنا بإدخال بعض الآمال والتأملات الذاتية إلى هذا التحليل الموضوعي، جاز لنا أن نقول إننا نصلّي لأن تطلق هذه التحولات جرس إنذار مدوّيًا يدفع حضارتنا المشرقية الإسلامية–المسيحية إلى الاستفاقة من غفوتها المديدة، وأن تحوّل تهديد هذا الصراع الجديد إلى فرصة لولادة حضارية جديدة.
وحين نتذكّر أن المثلث الذهبي التاريخي لهذه الحضارة (مصر/العرب، تركيا، وإيران) سيكون هذه المرة خارج لعبة الكراسي الموسيقية الأميركية المعتادة، نتوقّع أن تدفع التهديدات المشتركة هذه الدول إلى التكامل الاستراتيجي والحضاري، والنهوض المشترك لإنقاذ حضارتنا المشرقية.
وهذا سيكون محور صلواتنا.
أخيرًا، كنا قد أشرنا في مقدمة هذه العجالة إلى وجود معطيات إيديولوجية كبرى في هذا الصراع الجديد. ونوضح هنا أن اللون الذي قد تتّخذه هذه المجابهة هو حرب أديان جديدة، يتم فيها استبدال الصراع المسيحي الغربي ضد الإسلام – الذي روّج له برنارد لويس وصموئيل هانتنغتون ونفّذه جورج بوش تحت شعار «الحرب على التطرف الإسلامي» – بحرب دينية هندوكية–تلمودية ضده. ولا ننسى أن الصراع الديني بين الهندوكية والإسلام مستمر أصلًا منذ سبعين عامًا في جنوب آسيا بين الهند وباكستان.
ومن يدري؟ فقد تتحقّق نبوءة مجلة «إيكونوميست» البريطانية قبل عقدين، حين تخيّلت بروز «تحالف كونفوشيوسي–إسلامي» يقلب المعادلات في كامل القارة الأوراسية.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
