هل تسير أميركا على خطى الأيام الأخيرة للاتحاد السوفيتي؟

الحديث عن احتمالات الحرب الأهلية الثانية في الولايات المتحدة ليس أمرًا مستجدًا. فمنذ ولادة هذه الدولة قبل نحو 250 عامًا (التي لم تتحوّل يومًا، حقًا، إلى أمة لكونها جمهرة مهاجرين)، كانت الانقسامات الحادة على أنواعها هي سيدة الموقف: بين أنصار العبودية والليبراليين؛ وبين رأسمالية البلدة الصغيرة والأوليغارشية المدينية الكبرى؛ وبين الانعزاليين والعالميين؛ وبين الدينيين والعلمانيين؛ وبين القوميين والمتعولمين… إلخ.

لكن انقسامات القرن الحادي والعشرين الآن هي الأخطر، لأنها تهدد بتفتيت الداخل الأميركي على نحو خطير، بفعل العوامل التالية:

أولًا، شعور الأميركيين البيض بالخوف من خسارة سيطرتهم وامتيازاتهم، بفعل الخلل الديمغرافي الكبير لغير صالحهم. فالأوروبيون البيض كانوا، منذ القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الثانية، يشكّلون 90% من مجموع السكان، لكنهم سيصلون خلال سنوات قليلة إلى حدود 47%، لصالح اللاتينيين والسود والآسيويين. هذا “الخوف” هو الذي جعل شخصية مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب تصل إلى السلطة مرتين. وهو أيضًا في جذر شعار “أميركا أولًا”، الذي لا يعني، في الداخل، سوى “أميركا البيضاء أولًا”.

ثانيًا، جنبًا إلى جنب مع الخوف الديمغرافي، هناك انفجار النزعات العنصرية العنيفة التي تتبنى مفهوم القومية المسيحية البروتستانتية (البيضاء أيضًا)، ونظريات التفوق العرقي الأبيض، والتي تفتك الآن، تدريجيًا، بأسس ومقومات ومؤسسات الديمقراطية الليبرالية، لصالح أيديولوجيا سلطوية (وبعض الديمقراطيين الأميركيين يسمّونها فاشية). ثم إن مثل هذه القومية البروتستانتية تضع قطار الولايات المتحدة في مسار صدامي مريع مع قطار أميركا اللاتينية، الكاثوليكية في معظمها، والتي قد تصبح في السنوات القليلة المقبلة الملجأ الوحيد للنفوذ الأميركي المتقلّص في العالم.

ثالثًا، وربما الأهم، الأزمة الكبرى التي تعيشها الآن الطبقة الوسطى الأميركية، التي هي ركيزة “الحلم الأميركي”، بفعل انقلاب سحر العولمة الأميركية على الساحر الرأسمالي الأميركي، عبر بروز دول كبرى ومراكز عولمة جديدة “صادرت” الوظائف والأعمال من هذه الطبقة، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الرأسمالية الأميركية تتحول، بعد الركود الكبير عام 2008، من الاقتصاد الإنتاجي إلى الاقتصاد المالي–العقاري. وهذا ما خلق لا مساواة وتفاوتات طبقية هائلة لم تشهدها الولايات المتحدة حتى خلال عهد “البارونات اللصوص”، الذي قام على الفساد والسلب والنهب في القرن التاسع عشر.

الآن: إلى أين من هنا؟ وهل تتحقق نبوءة زبغنيو بريجينسكي (في كتابه الأخير “رؤية استراتيجية”) بأنه، من دون إصلاحات جذرية، “ستسير الولايات المتحدة سريعًا على خطى تفكك الاتحاد السوفيتي“؟

الإجابة قد تكون صعبة، لأن الكيان الأميركي (بتكوينه الحداثي المطلق) عصيّ على الخلاصات البسيطة. لكن هنا ثمة شيء مؤكد: الرئيس دونالد ترامب ليس حتمًا هو القائد التاريخي الذي سيقوم بالإصلاحات وينقذ أميركا من المصير السوفيتي. العكس هو الصحيح.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.