يحتفلُ لبنان اليوم بمئوية دستوره، الذي وُضع قبل مئة عام من قبل السلطات الفرنسية بناء على صك الانتداب، الذي اقرته عصبة الامم، والزمت بموجيه الدول المنتدبة تطوير الحياة السياسية والدستورية، لضمان الاستقرار الداخلي للدول الخاضعة لهم.
وهي مناسبة يجب ان لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل التعامل معه بوصفه كتاباً يختصر نقاشاً طويلاً حول الهوية الوطنية التي لم يُجمع عليها اللبنانيون. فمنذ ولادته، كان الدستور ساحة لتنازع مقولات سياسية تخفي في عمقها بعدا حضارياً بين من رأى في لبنان امتداداً لعروبته الطبيعية، وبين من اعتبره جزءاًمن ثقافة غربية قادرة على حمايته من مخاوف الذوبان في محيط أوسع. وقد قادت هذه الثنائية لاحقاً إلى تفاهم مسلم ـ مسيحي، عُرف بالميثاق الوطني غير المكتوب، والذي عومل بوصفه عقداً اجتماعياً جديدا، قام على معادلة “لا شرق ولا غرب”.
إنّ النظر إلى الدستور بوصفه كتاباً ثقافياً يشكّل مدخلاً أساسياً لفهم دور الشعب في علاقته به. فإذا كان الحكام هم الموكَلون بتطبيقه، فإنّ الشعب معنيٌّ بتكوين ثقافة عملية حوله، إذ لا يمكن بناء مواطنة فعلية ولا تشكيل شخصية وطنية لأي شعب إذا بقي بعيداً عن دستوره وجاهلاً احكامه من حيث قراءته وفهمه ومعرفة مضامينه. صحيح أنّه ليس مطلوباً من كل مواطن أن يكون خبيراً دستورياً، لكنّ منظومة الحقوق والواجبات لا يمكن أن تتحقّق على مستوى المواطن العادي إذا كان يجهل الركائز والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها الدستور.
من الناحية النظرية، تحكم لبنان أعراف دستورية تحفظ للطوائف الكبرى مكانتها ودورها في السلطات الثلاث: رئاسة الجمهورية، ومجلس النواب، ومجلس الوزراء. أنما هذه المواقع، على أهميتها، لا تكفي وحدها، لأنّ التنوّع كمعطى مجتمعي، ليس توزيعاً للمناصب فحسب، بقدر ما هو ممارسة وسلوك، ولا يمكن إبراز قيمته إلا في ظل ديمقراطية حقيقية تعكس التنوّع في المواطنة والمساواة بين المواطنين.
كما أنّ هذا الهدف لا يتحقّق عبر نصوص الدستور وحدها، على الرغم من أهميتها، بل من خلال مؤسسات دستورية فاعلة تطبّق الدستور وتحترمه، وتدير التنوّع الديني والثقافي والاجتماعي إدارة سليمة. وبما أن الشعب لا يمكنه الركون إلى حسن نية المسؤولين وحدها، فإنّ بناء ثقافة دستورية عامة يصبح شرطاً لازماً لتمكينه من ممارسة دوره في الرقابة والمحاسبة.
وهذا ما يميّز الدول الديمقراطية العريقة، إذ يتكوّن فيها رأي عام وطني يملك سعة اطّلاع على القوانين، ويحاسب حكوماته انطلاقاً من الدستور نفسه. فعند كل سياسة عامة، يطرح المواطن السؤال الجوهري هل يسمح الدستور بذلك؟ أما حين يجهل المواطن دستوره، فإنّه يعجز عن صياغة هذا السؤال الحقيقي. فالديمقراطية لا تتطور عبر المؤسسات وحدها، بل من خلال تفاعل المجتمع مع المنظومة الحقوقية التي ينصّ عليها الدستور، بما يتيح للمواطن أن يكون شريكا، من موقعه في السلطة، باعتبار أن الجميع يحكم باسمه.
صحيح أنّ حيادية النص الدستوري تعني نظرياً أن تطبيقه لا يستثني احداً ، بيد أن لغة الدستور في معناها الأوسع هي لغة مُحملة بالقيم والأفكار، تتكدّس في مقدمته التي تتناول الحقوق والواجبات، مثل حق الملكية، وحرية التعبير، وحرية المعتقد، والمساواة، أما الوظيفة العامة فمبنية على قيم الكفاءة. ولا يمكن الحديث عن عيش مشترك وسط جهل المواطنين بهذه الحقوق، ما يترك المجال للغة الطائفية التقسيمية لتسود، ويحوّل القيم الدستورية إلى مجرد وجهة نظر تتغير بحسب المصالح.
والدعوة إلى احترام الدستور لا تعني تقديسه، فجمود النص يتجاهل الفهم التاريخي للحراك الاجتماعي والسياسي. فكل تطور وتقدم على مستوى المجتمع يجب أن ينعكس في تعديل ومواكبة النص نحو دولة المواطنة الخالصة، والخروج من السياق الطائفي إلى السياق الوطني الذي يدعو إليه الدستور نفسه فيما يخص إلغاء الطائفية السياسية. لكن في الواقع اللبناني، يجب تطبيق “دستور الطائف” كما هو لتحديد مواطن الخلل، ومن ثم العمل انطلاقاً من معرفة الثغرات، ليصبح ذلك المدخل الفعلي لتحسينه وتطويره، بما يخدم المجتمع بأكمله فبل الحكم على فشله.
وبما أنّ الشعب اللبناني، نتيجة العديد من الثغرات الطائفية، حوصر في مجموعة من المغالطات، فقد منع ذلك من تكوين ثقافة دستورية جدية تحميه وتشكّل سلاحه الفعلي في محاسبة السلطة السياسية. وقد أتاح هذا الانقطاع لصناع القرار إحداث فجوة بين نص الدستور والممارسة الفعلية، حيث شهدنا ممارسات تعطيلية لتكوين السلطات الدستورية، وكأن الدستور اللبناني يسمح بالفراغ، بينما يبقى الدستور بريئاً من هذه الممارسات التي فضّلت المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
بعد مئة عام، نحن لا نحتاج إلى قراءة سياسية جديدة للدستور تعيد الانقسامات مجدداً، إنما إلى فهم أعمق لأهميته بوصفه عقداً ثقافياً سياسياً جديداً بين اللبنانيين، يساهم في إلغاء الفوارق ويعزز البعد الإنساني، ويجعل من الدستور جامعاً لكل اللبنانيين ومعيارا لانتمائهم الوطني.
فتحقيق ذلك يتطلّب دوراً نشطاً للمثقفين، والجامعات، والمدارس، ووسائل الإعلام، للاحتفاء بالدستور سنوياً، وتأكيد مكانته الثقافية قبل أي اعتبار سياسي أو قانوني. بهذه الطريقة، يتحوّل الدستور من مجرد وثيقة سياسية ـ قانونية إلى كتاب حيّ يُمارس ويُحيي الثقافة الوطنية، ليصبح المرجعية التي تحمي الحقوق وتوحد الشعب بعيداً عن الانقسامات الطائفية والمصالح الشعبوية الضيقة.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
