السيادة اللبنانية بين النص والتأويل

ينطلق فحوى هذه المقالة من قراءة منطقية لما يتضمنه نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حيال لبنان. فالنص يتعامل معه وكأنه ملف يحتاج إلى تفاهم خارجي، لا دولة صاحبة قرار مستقل. وكلما جاء استقرار لبنان نتيجة توافقات خارجية، ازدادت سيادته اعوراراً أمام موازين الصراعات الإقليمية والدولية.

تنص المادة الأولى من الدستور اللبناني على أن لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة. وعلى أهمية هذا النص، فإنه لا يلغي التساؤل حول مدى كفايته كضمانة عملية تحول دون أن يصبح لبنان محل مقايضة في السياسات الدولية، خصوصاً ضمن الاتفاقات الكبرى التي تعكس موازين القوى في الشرق الأوسط.

ففي الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ورد التأكيد على سلامة أراضي لبنان وسيادته. وفي الظاهر، تبدو هذه العبارة داعمة للبنان ومؤسساته، إلا أنها تبقى فضفاضة مقارنة بما ورد في الفقرة الثانية من المذكرة نفسها، والتي نصت على تعهد الولايات المتحدة وإيران باحترام سيادة كل منهما، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.

وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لم يرد مبدأ عدم التدخل في الفقرة المتعلقة بلبنان، فيما جرى تعزيز مفهوم السيادة بين الطرفين الآخرين بالتزام واضح وصريح؟ فالإشارة إلى السيادة قد تبدو، في ظاهرها، ضمانة سياسية، لكنها قد تتحول في الممارسة إلى مساحة مفتوحة لاختلاف التفسيرات حول مضمونها وحدودها.

المشكلة ليست في الاعتراف بسيادة لبنان، إنما في أن هذا الاعتراف لم يقترن بالتزام واضح بعدم التدخل في شؤونه. وغياب هذا القيد يفتح الباب أمام كل طرف للادعاء بأن تدخله يهدف إلى حماية السيادة لا إلى انتهاكها.

وفي الصراعات الكبرى، لا يكفي التأكيد على سيادة الدول الصغيرة، بل يصبح السؤال الأهم: من يملك حق تفسير هذه السيادة؟ فالدولة اللبنانية تربطها بشرعية مؤسساتها الدستورية، وبحقها الحصري في اتخاذ قراري الحرب والسلم، وحصر السلاح بيدها، وإدارة علاقاتها الخارجية بصورة مستقلة. أما إيران وحلفاؤها فقد يرون فيها القدرة على مواصلة المواجهة مع إسرائيل انطلاقاً من الساحة اللبنانية. وفي المقابل، قد تنظر الولايات المتحدة إلى المسألة من زاوية الحد من النفوذ الإيراني أو توسيع هامش تأثيرها في لبنان. وعندما تتعدد التعريفات، تتحول السيادة نفسها إلى موضع خلاف.

كما أن تجربة لبنان تُظهر أن مشكلة السيادة لا ترتبط فقط بوجود تدخلات خارجية مباشرة، بل أيضاً بقدرة الدولة على منع تحوّل أرضها إلى مساحة لتسويات الآخرين وصراعاتهم. فالدولة لا تفقد جزءاً من استقلالها فقط عندما تُفرض عليها قرارات من الخارج، بل أيضاً عندما تصبح قراراتها الداخلية مرتبطة بتوازنات لا تملك التحكم بها. ومن هنا، فإن حماية السيادة لا تكون بمجرد ورودها في النصوص أو البيانات السياسية، بل بوجود دولة قادرة على فرض قرارها، ومؤسسات تملك الشرعية والقدرة على إدارة علاقاتها الخارجية من موقع الندية، لا من موقع التفاهمات المفروضة عليها.

فهل نحن أمام نقص في الصياغة، أم أمام مساحة غموض مقصودة تتيح لكل طرف قراءة النص بما يخدم مصالحه؟ وكأن مذكرة التفاهم تقول كل شيء عن لبنان، ولا تقول شيئاً في الوقت نفسه.

قد يكون الغموض أمراً مألوفاً في مثل هذه النصوص، خصوصاً عندما تكون نتاج توازنات دقيقة وصراع مصالح بين القوى الكبرى، إلا أن ثمن هذا الغموض غالباً ما تدفعه الدول الصغيرة، عندما يتحول الخلاف حول تفسير النصوص إلى وقائع سياسية تؤثر في قرارها الوطني.

لكن أخطر ما في المذكرة، بالنسبة إلى لبنان، ليس ما تنص عليه بل ما تغفله. فهي تشير إلى السيادة من دون أن تربطها بالتزام واضح بعدم التدخل، أو تحدد آليات لحمايتها. وفي غياب مثل هذا القيد، يصبح من السهل على أي طرف خارجي أن يبرر حضوره أو نفوذه باعتباره دفاعاً عن الدولة، لا انتقاصاً من استقلالها.

لقد أظهرت تجارب عديدة أن المفاهيم العامة، كالسيادة والاستقرار، قد تتحول إلى أدوات متنازع على تفسيرها عندما لا تكون محددة بضوابط واضحة. وهذا ما عرفه لبنان في مراحل مختلفة من تاريخه، حين استُخدمت شعارات حماية الدولة أو حماية الاستقرار لتبرير أشكال مختلفة من الوصاية والتدخل، ولنا في الحقبة السورية خير برهان.

لذلك، لا تكمن المشكلة في الاعتراف بسيادة لبنان بحد ذاته، بل في ترك معناها وحدودها أمام قراءات متباينة. فكلما اتسعت مساحة التأويل، ضعفت قيمة الضمانات التي يفترض أن يوفرها النص، وباتت السيادة رهينة موازين القوى. وعندها يصبح استقرار لبنان، مرة جديدة، نتيجة تفاهمات الآخرين عليه أكثر منه تعبيراً عن إرادته الحرة كدولة مستقلة. فهل يكفي ما أعلنه رئيس الجمهورية جوزاف عون من أن لبنان دولة ذات سيادة، ولا يملك أي طرف حق التفاوض نيابة عنها؟

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.