الهبّة على المولدات يجب ألّا تبقى هبّة… فالمشكلة أكبر من فاتورة كهرباء

ثمة شيء تغيّر في لبنان في الآونة الأخيرة. لم تعد الشكوى من أصحاب المولّدات حديثاً هامساً بين جار وجاره، ولا اعتراضاً فردياً على فاتورة مرتفعة، بل بات هناك غضب يتّسع، وشعور شبه عام بأن ما بدأ، قبل سنوات طويلة، حلاً اضطرارياً لانقطاع الكهرباء، تحوّل إلى سلطة قائمة بذاتها، لها شبكاتها ومصالحها ومناطق نفوذها وقواعدها التي يجد المواطن نفسه مضطراً إلى الخضوع لها، لأنه لا يملك بديلاً.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تتحول هذه الهبّة إلى واحدة من هبّاتنا اللبنانية الكثيرة: نغضب، ونرفع الصوت، وتظهر كاميرا أمام مولّد مخالف، ويُسطَّر محضر ضبط، وتُفرض غرامة، ثم ينتهي كل شيء، ويعود المواطن، بعد أسابيع، إلى دفع الفاتورة نفسها، بالطريقة نفسها، وفي ظل ميزان القوى نفسه.

فالمشكلة، ببساطة، لم تعد مشكلة «صاحب مولّد مخالف». المشكلة هي أن لبنان أنشأ، بفعل صمت دولته وعجزها الطويل، قطاع كهرباء موازياً للدولة. وإذا أردنا معالجة الكارثة فعلاً، فعلينا أن نتوقف عن طرح السؤال: كيف نعاقب أصحاب المولّدات؟ وأن نبدأ بطرح السؤال الأصعب والأكثر جدية: كيف ننهي حاجة اللبناني إلى صاحب المولّد، فيما الدولة نفسها عاجزة عن تزويده بالكهرباء؟

لا تقولوا للناس: انتظروا كهرباء الدولة

هذه أول حقيقة يجب مواجهتها من دون أوهام. لا يمكن للدولة أن تقول للمواطن: اترك المولّد وانتظر كهرباء لبنان، فيما لا تزال الكهرباء الرسمية عاجزة عن توفير خدمة مستمرة وموثوقة. ولذلك، فإن مصادرة مولّد هنا أو إقفاله هناك ليست، في ذاتها، سياسة كهربائية، بل إجراء أمني أو قضائي قد يكون ضرورياً بحق المخالف، لكنه لا يحل أصل المشكلة.

فالبيت الذي انقطعت عنه كهرباء المولّد مساءً لا يضيئه محضر ضبط، والمصنع الذي يحتاج إلى التيار لا تشغّله مذكرة إدارية، والمستشفى لا يستطيع انتظار الخطة الكبرى لإصلاح قطاع الكهرباء. وهذه هي النقطة التي صنعت قوة أصحاب المولّدات أصلاً. فهم لم يصبحوا أقوياء لأنهم اخترعوا الكهرباء، بل لأن الدولة غابت عن تقديم خدمة لا يستطيع الناس الاستغناء عنها.

وحين تستمر الحاجة أعواماً طويلة، يتحول البديل المؤقت إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى مصلحة اقتصادية، والمصلحة إلى نفوذ، والنفوذ إلى احتكار يصعب كسره. ومن هنا يجب أن يبدأ أي تشخيص جدي: قوة المولّد ليست مستقلة عن ضعف الدولة، بل هي، في جانب كبير منها، نتيجة مباشرة له.

الدولة شرعنت الواقع، ثم بقيت عاجزة عن تنظيم نهايته

لم يكتشف لبنان المولّدات أمس. فالدولة تعرف بوجودها، وتحدّد تعرفتها، وتفرض عليها العدادات، وتضع شروطاً لعملها، وترسل المفتشين لمراقبتها. وفي أيلول 2025، أعادت وزارة الاقتصاد والتجارة التشديد رسمياً على إلزام أصحاب المولّدات بتركيب العدادات الإلكترونية، والتقيّد بالتعرفة الشهرية الرسمية، وضمان استمرارية التغذية، والالتزام بالشروط البيئية، مع التلويح بتسطير محاضر الضبط، وحجز المولّدات ومصادرتها، وإحالة المخالفين إلى القضاء.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: اعترفت الدولة عملياً بوجود هذا القطاع، ونظّمت بعض جوانبه، لكنها لم تضع بعد سياسة واضحة لمصيره النهائي. فهل سيبقى إلى الأبد؟ وهل ننتظر عودة كهرباء لبنان أربعاً وعشرين ساعة يومياً، ثم نطلب منه الاختفاء؟ وماذا لو لم تتوافر هذه الكهرباء قريباً؟ وماذا نفعل خلال السنوات التي تفصلنا عن ذلك؟

لا يجوز أن تكون سياسة دولة بأكملها معلّقة على انتظار مجهول. ولا يجوز أن نبقى أسرى معادلة ثنائية قاتلة: إما كهرباء دولة غير كافية، وإما مولّد خاص لا يستطيع المواطن الاستغناء عنه. المطلوب هو بناء مرحلة انتقالية واضحة بين الاثنين.

الحل ليس إلغاء المولّدات غداً، بل تحويلها

قد تبدو الفكرة، للوهلة الأولى، مستفزة، لكنها ربما تكون الأكثر واقعية: بدلاً من محاربة آلاف المولّدات واحداً واحداً، يجب تحويل هذا القطاع كله من سوق رمادية وفوضوية للكهرباء إلى قطاع منظّم للطاقة المحلية، ثم خفض اعتماده على الديزل تدريجياً.

فصاحب المولّد الذي يبيع الكهرباء لمئات أو آلاف المواطنين لا يجوز أن يبقى، في نظر القانون، مجرد «صاحب مولّد». إنه يقدّم خدمة عامة أساسية، وبالتالي يجب أن يحمل رخصة تشغيل واضحة، وأن تصبح هذه الرخصة مرتبطة بشروط لا يمكن تجاوزها: عدّاد إلزامي، وفاتورة إلكترونية، وتعرفة معلنة، وتدقيق في الحسابات، وشروط بيئية وفنية، وساعات خدمة محددة، وآلية واضحة للشكاوى، وعقوبات تصل إلى تعليق الرخصة وسحبها نهائياً عند تكرار المخالفة.

فمَن يبيع الكهرباء يجب أن يخضع لقواعد بيع الكهرباء، لا لقواعد امتلاك آلة تعمل بالديزل. وهذا التحول القانوني والتنظيمي هو المدخل الحقيقي إلى الحل، لأنه ينقل القطاع من منطق الأمر الواقع إلى منطق الخدمة العامة الخاضعة للدولة.

لدينا بنية تحتية قائمة… فلماذا لا نستخدمها؟

على مدى عقود، مدّ أصحاب المولّدات آلاف الأسلاك، ووصلوا الأبنية والمحلات والمصانع، وأنشأوا شبكات توزيع محلية في المدن والقرى. قسم من هذه الشبكات عشوائي وسيئ وخطر، ويجب تفكيكه، لكن قسماً آخر يمثّل بنية تحتية موجودة بالفعل، ولا معنى لتجاهلها لمجرد أنها نشأت خارج النظام الرسمي.

وبدلاً من أن ينحصر خيار الدولة بين ترك هذه الشبكات كما هي أو تدميرها بالكامل، يمكن إخضاعها لكشف فني. فما كان منها صالحاً وقابلاً للتطوير يُدمج في منظومة جديدة، وما كان خطراً أو مخالفاً يُزال. وهنا يمكن تحويل الشبكة المحلية تدريجياً من شبكة قائمة على مولّدات الديزل إلى شبكة طاقة هجينة، تستخدم كهرباء لبنان عندما تكون متاحة، والطاقة الشمسية والبطاريات عندما تنقطع، على أن يصبح المولّد، في نهاية المطاف، مصدراً احتياطياً، لا مصدراً أساسياً دائماً.

وهكذا، لا ننتظر إصلاح كهرباء الدولة حتى نعالج مشكلة المولّدات، بل نبدأ بمعالجة المشكلتين في وقت واحد.

تجربة الدول الأخرى تقول إن الشبكات الصغيرة ليست لعنة إذا نُظّمت

هذه الفكرة ليست خيالية، ولا سابقة بلا نموذج. فنيجيريا، وهي دولة عانت أيضاً ضعف الشبكة العامة وانتشار المولّدات الخاصة، لم تحصر خياراتها بين شبكة دولة كاملة وفوضى المولّدات، بل أنشأت إطاراً قانونياً للشبكات المصغّرة «Mini-Grids»، وميّزت بين شبكات مستقلة وشبكات يمكن ربطها بشبكات التوزيع العامة، ووضعت قواعد للترخيص والسلامة والتعرفة والعلاقة مع شركات التوزيع.

وبحسب البنك الدولي، ساعد أحد برامج الكهرباء في نيجيريا على إنشاء 125 شبكة مصغّرة وبيع أكثر من مليون نظام شمسي منزلي، بما أتاح الكهرباء لأكثر من 5.5 ملايين شخص. وفي البرامج اللاحقة، صار استبدال مولّدات البنزين والديزل المكلفة والملوّثة جزءاً صريحاً من سياسة توسيع نطاق الكهرباء النظيفة الموزّعة.

ولا يكمن المغزى بالنسبة إلى لبنان في نسخ التجربة النيجيرية حرفياً، فالفروق القانونية والاقتصادية كبيرة، وإنما في الاستفادة من الفكرة الأساسية: عندما تكون الشبكة المركزية ضعيفة، لا يكون الحل في ترك الشبكات المحلية للفوضى، بل في إدخالها ضمن إطار قانوني يتيح لها الاندماج لاحقاً مع الشبكة العامة.

أعطوا صاحب المولّد خيارين: التحول أو الخروج

لا تحتاج الدولة إلى إعلان حرب اجتماعية على أصحاب المولّدات، كما لا يجوز لها، في المقابل، تكريس سلطتهم إلى الأبد. المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة ضمن مهلة انتقالية واضحة.

يُقال لكل صاحب مولّد: تستطيع الاستمرار إذا تحوّلت إلى مشغّل مرخّص للطاقة المحلية، والتزمت بالعداد والتعرفة والرقابة والمواصفات والضرائب، وبدأت بإدخال الطاقة الشمسية وتقنيات التخزين تدريجياً، وخفّضت الاعتماد على الديزل. أما مَن يرفض هذه القواعد، ويريد الاحتفاظ بالنموذج الحالي، حيث يملك مولّداً وشبكة ومشتركين ومنطقة نفوذ، ويستطيع عملياً فرض شروطه على مستهلك لا يملك بديلاً، فعليه الخروج من السوق خلال مهلة محددة.

هذه ليست مصادرة ولا انتقاماً، كما أنها ليست شرعنة أبدية. إنها عملية انتقال من اقتصاد الأمر الواقع إلى قطاع منظّم: التحول أو الخروج.

كسر الاحتكار أهم من ضبط التعرفة

هناك جانب آخر لا يكفي الحديث عنه: المواطن، في كثير من المناطق، لا يستطيع عملياً اختيار صاحب المولّد. وقد تضبط الدولة سعر الكيلوواط، لكن إذا بقي المستهلك أسير مزوّد واحد، فإن أصل المشكلة لا يكون قد تغيّر.

من هنا، يجب الانتقال من سياسة «تسعير الاحتكار» إلى سياسة تقليص الاحتكار نفسه، حيث تسمح الظروف الفنية. ويمكن للبلديات واتحادات البلديات، ضمن إطار تنظيمي مركزي واضح، أن تطرح تشغيل شبكات الطاقة المحلية في مناقصات شفافة وتنافسية، بحيث يحصل على حق التشغيل مَن يقدّم أفضل مزيج من السعر المنخفض، وجودة الخدمة، ونسبة الطاقة المتجددة، وكفاءة التخزين، وانخفاض الانبعاثات.

عندها، لا تصبح المنطقة «ملكاً» لصاحب مولّد معيّن، بل منطقة خدمة عامة يحصل على حق إدارتها مَن يلتزم بالشروط الأفضل، ولمدّة محددة. وهذه نقلة أساسية، لأنها تنقل مركز القوة من صاحب الشبكة إلى العقد والقانون.

الفاتورة الإلكترونية قد تكون أقوى من ألف دورية

لا يجوز كذلك تحميل المواطن مسؤولية مواجهة صاحب المولّد. فلماذا يتعيّن عليه أن يصوّر الفاتورة، ويبحث عن رقم الوزارة، ويتقدّم بشكوى، ويخوض مواجهة مباشرة مع مشغّل يعرف أين يسكن، ويستطيع قطع الخدمة عنه؟

المطلوب إنشاء منصة وطنية بسيطة مرتبطة بكل مشغّل مرخّص. يكون لكل عدّاد رقم، ولكل فاتورة سجل، ويظهر فيها الاستهلاك الفعلي، وسعر الكيلوواط، والرسم الثابت، وساعات التغذية، وجميع الإضافات القانونية. فإذا تجاوز المشغّل التعرفة الرسمية، أو حمّل المشترك رسوماً غير مسموح بها، استطاعت المنصة كشف الخلل تلقائياً.

فالرقابة الحديثة لا تنتظر الضحية لكي تتشجّع وتتقدّم بشكوى؛ إذ تكشف البيانات نفسها المخالفة. ومع تكرار المخالفات، تُرفع الغرامة، ثم تُعلّق الرخصة، ثم تُسحب. وعندها فقط يصبح للقانون أثر فعلي، بدلاً من أن تبقى الرقابة موسمية ومرتبطة بالضجة الإعلامية.

البلديات تستطيع البدء قبل انتظار الخطة الكبرى

لا يحتاج لبنان إلى انتظار إصلاح البلد كله حتى يختبر هذا النموذج. إذ يمكن اختيار عدد من البلديات أو اتحادات البلديات في بيروت وطرابلس وعكار والبقاع والجنوب والجبل لإطلاق مشاريع نموذجية.

تبدأ كل منطقة بإجراء مسح حقيقي: كم مولّداً فيها؟ وكم مشتركاً؟ وكم تبلغ القدرة المركّبة؟ وما حجم الاستهلاك؟ وكم يدفع الناس سنوياً؟ وما حال الشبكات؟ وأين يمكن تركيب ألواح شمسية؟ وما المواقع المناسبة للبطاريات؟

بعد ذلك، تُختار مناطق عدة لتحويلها إلى شبكات محلية هجينة للطاقة. وبعد سنة، تصبح لدينا أرقام فعلية يمكن البناء عليها: كم انخفض استهلاك المازوت؟ وكم تراجعت الفاتورة؟ وكم ارتفعت ساعات التغذية؟ وكم انخفض التلوث؟

إذا نجح النموذج، يُعمَّم. أما أن نبقى ننتظر «الحل الوطني الشامل» قبل أن نجرّب حلاً في حي أو بلدة، فهذا جزء من العقلية نفسها التي أوصلتنا إلى الأزمة.

لا تعويض عن الاحتكار… نعم لقيمة الأصول المفيدة

ستأتي حتماً لحظة يطرح فيها أصحاب المولّدات سؤالاً مشروعاً: ماذا عن الأموال التي استثمرناها في المولّدات والأسلاك والمحولات والشبكات؟

يجب أن يكون الجواب عادلاً وواضحاً. فلا تعويض عن «الزبائن»، لأن الناس ليسوا ملكاً لأحد، ولا تعويض عن منطقة نفوذ، ولا عن أرباح مستقبلية مفترضة، ولا عن احتكار ترسّخ بفعل غياب الدولة.

لكن إذا كانت هناك شبكة توزيع مطابقة للمواصفات، ويمكن استخدامها ضمن النظام الجديد، فيمكن تقييمها بواسطة جهة مستقلة، وشراؤها أو استئجارها أو إدخالها في الشركة الجديدة. فالتعويض يكون عن أصل منتج وصالح ومفيد، لا عن الحق في احتكار المستهلك.

المواطن يجب أن يتحول من رهينة إلى منتج

كشفت ثورة الطاقة الشمسية التي شهدها لبنان خلال الأزمة أن اللبناني مستعد لإنتاج كهربائه عندما تفشل الدولة. لكنها كشفت أيضاً مشكلة اجتماعية: فمَن يملك المال استطاع شراء الألواح والبطاريات وتقليل اعتماده على المولّد، بينما بقيت الأسر الأقل قدرة أسيرة فاتورته.

لذلك، ينبغي نقل الطاقة الشمسية من النموذج الفردي إلى النموذج الجماعي أيضاً. فلماذا لا يصبح سطح مدرسة أو مبنى بلدي أو مستودع أو أرض عامة محطة شمسية لخدمة حي كامل؟ ولماذا لا يشترك عشرات أو مئات المنازل في مشروع واحد، بدلاً من أن يحتاج كل منزل إلى نظام منفصل؟ ولماذا لا يستطيع مَن ينتج فائضاً من الكهرباء أن يبيعه إلى الشبكة ضمن نظام قانوني وتقني واضح؟

عندما يصبح المواطن منتجاً ومستهلكاً في آن واحد، يتغير ميزان القوى في سوق الكهرباء كله.

المطلوب إنهاء زمن «المؤقت الدائم»

تختصر قصة المولّدات جانباً كبيراً من مأساة الدولة اللبنانية. حدثت أزمة، فظهر حل مؤقت، وعجزت الدولة عن إيجاد الحل، وطال أمد المؤقت، وكبر أصحابه، وتكوّنت مصالح حوله، ثم أصبح التخلص منه أصعب من المشكلة الأصلية.

وهكذا، تحوّل «اشتراك المولّد» من تدبير لساعات التقنين إلى اقتصاد كامل لا يستطيع ملايين الناس الانفصال عنه.

لهذا، فإن الهبّة الإعلامية والشعبية الحالية مهمة، لكنها لن تساوي كثيراً إذا انتهت بغرامة هنا ومداهمة هناك. فبعد أشهر، سيعلو صوت مولّد آخر، وستصل فاتورة أخرى، وسنكتشف الأزمة من جديد.

المطلوب هذه المرة ليس حملة على المولّدات، بل خطة معلنة لإنهاء عصر المولّدات بصورتها الحالية. لا غداً، ولا بقرار شعبوي يعيد الناس إلى العتمة، بل ضمن مسار يمتد ثلاث سنوات أو خمساً، يبدأ بالترخيص والعدادات والفواتير الإلكترونية وكسر الاحتكار، ويمر بالشبكات المحلية المنظمة والطاقة الشمسية والبطاريات، وينتهي بتراجع تشغيل مولّدات الديزل كلما تحسنت كهرباء لبنان وتوسّعت مصادر الطاقة الأخرى.

المشكلة ليست صاحب المولّد وحده

من السهل أن نجعل صاحب المولّد شرير الحكاية. ولا شك في أن بعض الممارسات يستحق المحاسبة، وأن كل مخالف يجب أن يُعاقب. لكن اختزال الأزمة في شخص صاحب المولّد يريح الدولة أكثر مما يحل المشكلة.

فالمولّد ابن غياب الدولة قبل أن يكون منافساً لها. وحين تغيب الدولة عن تقديم خدمة أساسية، لا يبقى المكان فارغاً؛ إذ يأتي مَن يملؤه، ثم يفرض شروطه، ثم تتحول الحاجة إليه إلى قوة اقتصادية واجتماعية.

لذلك، لا تستعيد الدولة هيبتها عندما يداهم مفتش مولّداً، بل تستعيدها عندما يصبح في استطاعتها أن تقول للمواطن: لديك كهرباء، ولديك خيار، ولديك عدّاد، ولديك سعر تعرف كيف احتُسب، ولديك جهة تحميك، ولا يستطيع أحد إطفاء النور في بيتك لأنه أقوى منك.

هذه هي المعركة الحقيقية.

وإذا كانت الهبّة الحالية قد نجحت في كسر الصمت حيال فاتورة المولّد، فلا يجوز أن تنتهي عند الفاتورة. فالسؤال لم يعد فقط: مَن يضبط صاحب المولّد؟

السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: مَن يعيد الكهرباء إلى سلطة الدولة، من دون أن يعيد اللبناني إلى العتمة؟

مَن يملك جواباً عملياً عن هذا السؤال، يملك بداية حل أزمة المولّدات. أما الغرامات وحدها، فقد تعاقب مولّداً، لكنها لن تطفئ «جمهورية المولّدات».

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.