إصدار فكري-علمي جديد للبروفسورة هدى مقنص

«الجنين إن حكى»: رحلة في الوعي الإنساني قبل الولادة

صدر حديثاً عن دار النهار كتاب جديد للبروفسورة هدى مقنص بعنوان «الجنين إن حكى»، في عمل فكري-علمي يقدّم مقاربة غير تقليدية لفهم الإنسان منذ اللحظات الأولى لتكوّن الحياة.

ويأتي هذا الإصدار بوصفه إنجازاً معرفياً جديداً يقدَّم إلى الوسطين الفكري والعلمي، إذ يسعى إلى فتح آفاق بحثية تتجاوز المقاربات التقليدية لمسألة تشكّل الوعي الإنساني ونشأة التجربة البشرية.

ويتميّز الكتاب بعدد من المقاربات العلمية والفكرية اللافتة. فهو، أولاً، يسلّط الضوء للمرة الأولى على جوانب مدهشة تحيط بتكوّن الإنسان، لا من زاوية السنوات الأولى من حياة الطفل فحسب، كما تناولتها المدرسة الفرويدية، ولا من زاوية الجوانب السيكولوجية المرافقة لمرحلة الولادة والنمو فقط، بل من خلال العودة إلى مرحلة تسبق رؤية النور، حيث ينخرط الجنين في شبكة معقّدة من العوالم العلمية والمعرفية المتداخلة. ففي هذه المرحلة المبكرة تتقاطع حقول متعددة، من البيولوجيا إلى العقل الجمعي عند كارل يونغ، ومن الكيمياء إلى علم الجينات، ومن مفاهيم الذكاء العاطفي إلى التأثيرات العميقة للبيئة الخارجية على الجنين.

ومن خلال هذا المسار التحليلي، يكشف الكتاب أن مفهوم الوعي الذي درجنا على ربطه عادة بالإنسان الناضج لا يتكوّن متأخراً كما يُعتقد، بل يولد في الواقع منذ اللحظات الأولى لانبثاق الحياة من النطفة. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة فلسفية أعمق للعلاقة بين الوجود والوعي، ويعيد إحياء الطرح الفلسفي الذي قدّمه المفكر الفرنسي هنري بيرغسون حين رأى أن الوجود ليس سوى ومضة وعي واحدة تتجسد في ما أسماه «الدفعة الحيوية» (Élan vital) للحياة.

ولا يقف الكتاب عند حدود التحليل العلمي، بل يرفده بأسلوب أدبي رفيع يمنح هذه اللوحة العلمية بعداً وجدانياً عميقاً. فالسرد الأدبي الذي تعتمده المؤلفة يضيء مفهوم الأمومة بوصفه أحد أعمدة استمرار الحياة، وهو المفهوم الذي يتجلّى في عناية النبتة ببذورها، وفي حماية اللبوة لصغيرها، وفي الأم الكبرى، أي الحياة نفسها، التي استطاعت أن تتغلب على خمسة انقراضات كبرى في تاريخ الأرض.

بهذا المعنى، يقدّم كتاب «الجنين إن حكى» محاولة فكرية تجمع بين العلم والفلسفة والأدب في آن واحد، في قراءة جديدة لأسرار الحياة البشرية منذ بداياتها الأولى.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.