من الحرب إلى التفاوض… معادلة «الردع الإيراني» الجديد

تحليل – خاص «بيروت 2030»

فرضت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران نفسها باعتبارها واحدة من أكثر المواجهات حساسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لكنها انتهت على نحو يختلف كثيراً عما كان مخططاً له في واشنطن وتل أبيب. فبدلاً من انهيار سريع للنظام الإيراني أو فرض شروط استسلام سياسية عليه، انتهت المعركة إلى فتح باب التفاوض مجدداً، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول من حقّق المكاسب الحقيقية ومن اضطر إلى تعديل أهدافه تحت ضغط الوقائع الميدانية.

وإلى أن يُنشر النص الكامل للاتفاق الأميركي ـ الإيراني المرتقب، ستستمر حملات الترويج والدعاية من الجانبين، وسيحاول كل طرف تقديم النتائج باعتبارها انتصاراً لروايته. غير أن القراءة الأولية للمشهد تشير إلى أن الحرب التي كان يُفترض أن تعزّز موقع الولايات المتحدة وحلفائها، انتهت بإعادة إيران إلى طاولة التفاوض من موقع أكثر قوة وثقة مما كانت عليه قبل اندلاعها.

لقد بُنيت الاستراتيجية الأميركية على فرضية أن الضربات العسكرية المكثفة ستدفع النظام الإيراني إلى التراجع السريع، أو ستؤدي إلى اهتزاز داخلي يفرض عليه تقديم تنازلات جوهرية، لكن ما حدث كان مختلفاً، فطهران نجحت في امتصاص الضربة الأولى، وحافظت على تماسك مؤسساتها، مستندة في الوقت ذاته إلى عمق استراتيجي وفّرته شراكاتها الوثيقة مع بكين وموسكو، والتي شكّلت جدار حماية اقتصادي وسياسي مكّنها من الالتفاف على محاولات العزل الدولي الشامل.

من جانب آخر، تمكنت طهران من تنفيذ ردود عسكرية حملت رسائل سياسية واستراتيجية واضحة عبر تثبيت معادلة ردع جديدة اعتمدت على سلاح المسيرات والصواريخ الدقيقة، والتي أثبتت الدفاعات الجوية المتطورة للمحور المقابل أنها مكلفة وغير قادرة على تحقيق حماية مطلقة، والأهم من ذلك، أثبتت إيران أن قدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي ليست مجرّد ورقة نظرية تستخدم في الخطابات، بل أداة ضغط حقيقية قادرة على إرباك الأسواق الدولية، إذ مثّلت خشية واشنطن من قفزة غير منضبطة في أسعار النفط العالمية وتأثيرها المباشر على التضخم الداخلي والناخب الأميركي “المفرمِل” الحقيقي الذي منع تدحرج الحرب إلى سيناريو المواجهة المفتوحة لإسقاط النظام.

وتبدو إعادة تثبيت أمن مضيق هرمز الإنجاز الأبرز في المرحلة التي أعقبت الحرب، فالممر الاستراتيجي كان مفتوحاً عملياً قبل اندلاع المواجهة، لكن تثبيت أمنه وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة عبره جاء هذه المرة مقابل مكاسب سياسية واقتصادية لطهران، تمثلت في تخفيف العقوبات وفتح مسارات تفاوض جديدة. وبذلك تمكنت إيران من تحويل التهديد الذي استهدفها إلى فرصة عزّزت من خلالها وزنها الإقليمي والدولي، وانتزعت موقعاً تفاوضياً أكثر قوة مما كان يتوقعه خصومها.

أما عن الملف النووي الذي كان السبب المعلن للحرب، فلا يبدو أن المعركة حسمته حتى الآن، فالمؤشرات المتوافرة تتحدث عن تفاوض حول مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ووقف مؤقت لبعض الأنشطة من دون اتفاق نهائي يحسم مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

وتدرك طهران جيداً أن عامل الوقت يعمل غالباً لمصلحتها، إلا أنها قد تسعى إلى إدارة مفاوضات طويلة ومعقدة تتيح لها انتزاع تنازلات إضافية على مراحل، وهو ما يثير مخاوف من أن ينتهي المطاف باتفاق أقل صرامة مما كان يمكن تحقيقه عبر الدبلوماسية قبل اندلاع الحرب عليها.

وفي واشنطن، يواجه الرئيس دونالد ترامب تحدّياً سياسياً لا يقل أهمية عن التحدي الدبلوماسي، فهو يسعى إلى تقديم أي اتفاق مرتقب بوصفه أفضل من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما عام 2015. لكن المقارنة لا تزال مبكرة للغاية، بل إن بعض الملامح الأولية تشير إلى تشابه لافت بين الاتفاقين، خصوصاً إذا اقتصر التفاهم الجديد على الملف النووي وتخفيف العقوبات من دون معالجة ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وشبكات الحلفاء التي تعتبرها إسرائيل مصدر التهديد الأكبر عليها.

ومن هنا تنبع حالة الإحباط المتزايدة داخل إسرائيل، فبعد مرحلة من التوافق الظاهري بين ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بدأت تظهر فجوة واضحة بين أولويات الطرفين. فالولايات المتحدة كانت بحاجة إلى إنهاء الحرب قبل أن تتحول إلى استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري مفتوح، بينما كان نتنياهو يراهن على مواصلة الضغط العسكري لتحقيق أهداف أبعد من مجرّد الملف النووي، لكنه اصطدم بسقف القدرات العسكرية الإسرائيلية المنهكة من حرب استنزاف داخلية طويلة اقتصادياً ومجتمعياً دون وجود غطاء أو مشاركة أميركية مباشرة في القتال.

وتزداد أهمية هذا التباعد مع الحديث عن إدراج لبنان ضمن ترتيبات التهدئة ووقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، فهذه النقطة تحديداً تُقرأ في طهران باعتبارها مؤشراً إلى أن واشنطن باتت أكثر اهتماماً بإدارة الاستقرار الإقليمي من مواصلة سياسة المواجهة المفتوحة، كما أنها تمثل تحوّلاً ملحوظاً مقارنة بما جرى بعد اتفاق عام 2015، حين استمرت الضربات الإسرائيلية ضد خطوط الإمداد الإيرانية في سوريا بوتيرة متصاعدة.

وعليه، لا يزال من المبكر الحديث عن انتصار نهائي لأي طرف، فنجاح الاتفاق سيُقاس في النهاية بمدى قدرته على فرض قيود حقيقية وقابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني، وليس بعدد المؤتمرات الصحفية أو التصريحات السياسية. لكن ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أن الحرب التي بدأت تحت شعار كبح إيران، انتهت بإعادتها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية أو دولية.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل نجحت واشنطن فعلاً في تحويل القوّة العسكرية إلى مكسب سياسي دائم، أم أن طهران استطاعت مرّة جديدة تحويل الضغوط إلى فرصة، والخروج من ألسنة النار وهي أكثر حضوراً وتأثيراً في رسم خرائط الشرق الأوسط؟

الإجابة لن تحدّد مصير الاتفاق المقبل فحسب، بل قد ترسم ملامح التوازنات الإقليمية وسيناريوهات الاستقرار الهش لسنوات طويلة قادمة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.