المؤرخ الأديب د. إبراهيم بيضون… من شموس جبل عامل التي لن تغيب

أن تعايش رجل فكر وعلم بقامة الدكتور إبراهيم علي حسين بيضون، فذاك شيء من صدف الزمن التي قلّما تجود بها الحياة على المرء. فالدكتور إبراهيم بيضون اتخذ بلدتنا الخيام موطنًا ثانيًا له بعد تحريرها في عام 2000، وكان يقضي بيننا فصل الصيف؛ لذا كانت لقاءاتنا به متواصلة من دون انقطاع، سواء عندما نزوره في منزله الصيفي، أو نلتقيه عند الأصدقاء المشتركين في جلسات السمر الصيفية، فضلًا عن مشاركته لنا في الخيام في مختلف المناسبات الاجتماعية التي تزخر بها، عادةً، الربوع اللبنانية خلال فصل الصيف.

في أي مجلس يحلّ فيه الدكتور إبراهيم بيضون، يكون قطب الرحى؛ فإلى شخصه ترنو العيون، وإلى حديثه تصغي الآذان، وبمنطقه تلهج العقول. وهذا ما حصل في مجلس أحد الأفاضل في بلدة الخيام، عندما التقيته للمرة الأولى في إحدى العطل الصيفية بعد التحرير. وقد ساقنا الحوار إلى إحدى المسلّمات الواقعية المتعلقة بمجمل من كتبوا التاريخ اللبناني بوجه عام، وتاريخ جبل عامل بوجه خاص، حيث قال: «إنه تاريخ زعامات وأحداث، وليس تاريخ شعوب وعوام».

وكان ذلك بعدما أحضرت معي هديةً للفاضل صاحب الدار، هي «الكشكول الخيامي»، الذي يضم ما يزيد على 750 صفحة، وهو من إعدادي وتوثيقي، ويجمع كل ما ورد فيه اسم بلدتنا «الخيام» في كتب التاريخ والسياسة والسير الذاتية المتعلقة بجبل عامل أو وادي التيم. وقد قمت بتصوير الصفحات الخاصة ببلدتنا، وعملت على تبويبها، وأدرجتها في الكشكول، بالإضافة إلى بعض صور الوثائق التاريخية وصفحات من الصحف الصادرة خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وعندما كنت أشرح للحضور عن إنجازي ذاك، انبرى أحد الشباب الحاضرين، بحماسة فائقة، وقال لي: «ماذا عن عائلتي؟ أليست مذكورة في تلك الكتب؟». فاجأني السؤال، فالتزمت الصمت. حينئذٍ، أنقذ الدكتور إبراهيم الموقف، فخاطب الشاب المتحمس، وقال له العبارة المذكورة أعلاه، التي تركت لدى الشاب صدًى طيبًا.

هذا، وقد أقام اتحاد الكتّاب اللبنانيين، بالتعاون مع المنبر الثقافي في جمعية التخصص والتوجيه العلمي، ندوة تكريمية للمؤرخ والأديب الراحل إبراهيم بيضون (1941–2025)، في مقر الجمعية في العاصمة اللبنانية بيروت. وقد افتتح الندوة الأستاذ واصف شرارة، مرحبًا بالحضور الكريم الذي لبّى الدعوة مشكورًا، ومتعهّدًا بالمزيد من اللقاءات الثقافية التي تنوي الجمعية إقامتها خلال موسمها الثقافي الحالي. كما نوّه بالقامة الأدبية الراحلة، الدكتور إبراهيم بيضون، مستذكرًا أنه «علّمنا أن نقرأ التاريخ بذاكرة الأرض والفرد».

ثم تعاقب على الكلام زملاء الفقيد الأفاضل الذين واكبوه في مختلف دروب الحياة، بدءًا بالطبيب الدكتور كامل مهنا، رئيس مؤسسة عامل الدولية والمنسق العام لتجمع الهيئات التطوعية في لبنان، الذي كان زميله المقرّب في مرحلتين مهمتين من مراحل حياة الراحل العملية؛ إذ تزاملَا خلال الدراسة الجامعية في جامعة غرينوبل في فرنسا، ثم لاحقًا في العمل الاجتماعي بعد العودة إلى ربوع الوطن، من خلال المشاركة في انطلاق مؤسسة عامل وتطويرها.

وكانت هناك أيضًا مشاركة قيّمة من زملائه في التدريس الجامعي في الجامعة اللبنانية، وهم: الدكتور عبد المجيد زراقط، والدكتور رامز الحوراني، والدكتور أحمد حطيط، وأخيرًا زميله في الأدب والشعر الدكتور أحمد نزّال، رئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين.

وكان مما قاله الدكتور عبد المجيد زراقط، مستذكرًا قول العالم الرباني الراحل السيد هاني فحص في وصف الدكتور إبراهيم بيضون: «رائحة الجوري من بساتين بنت جبيل، أو رائحة عطر شرقي… كأن كلامه عسل ملكي…».

وأضاف الدكتور زراقط أن ما استوقفه في الدكتور إبراهيم بيضون هو «أن داخل ذاك المؤرخ الكبير يكمن أديب ألمعي أيضًا». كما يقول فيه شيخ التاريخ العاملي السيد حسن عبد المحسن الأمين: «إنه يكتب التاريخ من جديد؛ فعلى الرغم من أن كتابة التاريخ تنطوي على موضوع جامد وفجّ، فإن الدكتور إبراهيم بيضون يجعل كتاباته موشّاة بالبلاغة البيانية».

فقد كان الدكتور بيضون يردد دائمًا، سواء في كتاباته أو في محاضراته، قولًا للمؤرخ الفرنسي الشهير لوسيان فيفر: «ليس المؤرخ من يعلم؛ إن المؤرخ من يبحث، وإننا لباحثون».

واختتم الدكتور عبد المجيد زراقط كلمته بحق الراحل الكبير الدكتور إبراهيم بيضون قائلًا: «شاعر التاريخ الإسلامي الذي دخل التاريخ من باب الشعر ولم يخرج منه؛ فقد كان المؤرخ الشاهد الذي لا قلب له»، كما وصف الرحالة أمين الريحاني سابقًا «المؤرخ الحقيقي» وعرّفه.

أما الدكتور رامز الحوراني، فذكر في معرض حديثه عن صفات زميله الدكتور إبراهيم بيضون: «أحدث الزميل الراحل نقلة نوعية في كتابة التاريخ الإسلامي، مبتعدًا عما ألبسه إياه أصحاب المصالح الرخيصة في خدمة السلطان. ويتجلّى منهجه في تكثيف وهج العقل لرصد الحدث وفهم حركته، من الأسباب إلى النتائج».

وأضاف الدكتور الحوراني: «لم يَلْتَهِ الدكتور بيضون بالألقاب التي أطلقها من سبقه من المؤرخين على أبطالهم، بل اتخذ منهج البحث عن البطل الحقيقي والإنساني للحدث التاريخي».

وبذلك، يكون قد نحا منحى ابن خلدون، حيث الحدث التاريخي هو «نتاج ما حصل، وليس ما يريده السلطان».

وختم الدكتور الحوراني كلمته بمقولة خاصة بالراحل الدكتور إبراهيم بيضون: «ويبقى المقاومون مَن يستحقون عناء التذكّر؛ أولئك الذين تصدّوا بدمائهم لليأس، وأشرقت وجوههم في الظلام المدلهم، وأمسكوا مجددًا بزمام التاريخ. إننا مدينون لهؤلاء الأبطال بكرامتنا وحريتنا، ومدينون لهم بالبقية الباقية من أحلامنا».

ويصف الدكتور أحمد حطيط زميله الراحل الدكتور إبراهيم بيضون بأنه «المؤرخ الذي وهب حضوره للتاريخ، لاستحضاره وجعله مشهدًا حيًّا ينبض بالحياة».

وأردف قائلًا: «كان الدكتور بيضون يُحكّم العقل، لا الهوى، في كتابته للتاريخ أو حديثه عنه؛ فكان مربّيًا فكريًا منحازًا إلى الحقيقة المجرّدة. وقد جمع بين جمال التعبير وصلابة الحقائق، مع دعوته إلى إعادة قراءة التاريخ بمنهج التدقيق والتمحيص».

ثم اعتلى المنبر الدكتور كامل مهنا، رئيس مؤسسة عامل الدولية والمنسق العام لتجمع الهيئات التطوعية في لبنان، تاليًا كلمات رثاء تخاطب روح الراحل الكبير، وذاكرًا صفاته النبيلة المفعمة بعطر الصداقة الفريدة. كما روى ذكرياتهما معًا في الحل والترحال في أرجاء المعمورة، رابطًا تناجيهما بهموم الخيام وبنت جبيل منذ أيام الدراسة الجامعية في فرنسا، وما تخلّلها من نشاط وتفاعل طلابي، وصولًا إلى ما قاما به سويًا من أوجه النشاط التطوعي في مجال العمل الاجتماعي.

واختتم الدكتور مهنا كلمته قائلًا: «لن أقول لك وداعًا ما دمت تسكن خافقي صباحًا ومساءً».

أما كلمة الختام، فكانت من نصيب الدكتور أحمد نزّال، رئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين، الذي أشاد بالمؤرخ والأديب الراحل الدكتور إبراهيم بيضون، معتبرًا إياه قامة علمية عاملية عاملة لم تستسلم، فجعلت من العلم طريقًا، وسعت إلى الأفضل، نحو مستقبل مغاير للواقع المعاش.

وفي نهاية اللقاء، وُزّع العدد السادس، الصادر في نيسان/أبريل 2026، من مجلة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» على الحضور الكريم، وقد خُصّصت شخصية هذا العدد للمؤرخ والأديب الراحل إبراهيم بيضون.

يقول الراحل طلال سلمان، عميد الصحافة اللبنانية وفارسها المبجّل: «إبراهيم بيضون، المؤرخ بأمانة القديس، والكاتب بدقة دوران الأرض حول الشمس، والشاعر الذي يكتب الشعر بماء عينيه».

فقد كان الدكتور إبراهيم بيضون يكتب الشعر، بل يقرضه، ولكن، للأسف، لم نجد في تكريمه من يتلو علينا شيئًا من الشعر، سواء من نظم الراحل الكبير، أو إحدى القصائد التي حملت رثاءه. ولا سيما أن ما يتردد دومًا هو أن الشعر الذي قالته العرب إكليل الغار الذي يكلّل جبين الأدب العربي على مر العصور والأزمان، ولا يخلو منه أي محفل يلتئم فيه بنو يعرب.

كما سرى تساؤل بين الذين حضروا هذه الندوة التكريمية، مستفهمين: «أين كلمة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي؟ ولماذا يغيب المجلس عن مثل هذا الاحتفال؟»، ولا سيما أن الجميع يعرف أن الراحل الكبير الدكتور إبراهيم بيضون أمضى فترة لا بأس بها نائبًا للأمين العام للمجلس، في حين كان النائب الأسبق والأديب الراحل حبيب صادق يشغل منصب الأمين العام للمجلس منذ عام 1975.

وقد برز الاثنان كثنائي ناجح في العمل على تطوير نشاط المجلس وازدهاره، بالتعاون مع أعضاء الهيئة الإدارية آنذاك، فسُمّي جيلهم «الجيل المطوّر للمجلس»، الذي تسلّم الراية من «الجيل المؤسس للمجلس»، الذي قام بتأسيسه عام 1964، برئاسة الدكتور عبد الرؤوف فضل الله، ومشاركة الأديب الراحل كامل عبد الحسين عبدالله، عضو الهيئة التأسيسية للحزب التقدمي الاشتراكي وأمين سر الحزب، والوزير السابق جوزيف مغيزل، والنائب السابق أحمد سويد، والقاضي زيد أحمد عارف الزين، والمؤرخ الدكتور يوسف حوراني، والصحافي والمؤلف أديب مروة. وقد أدّى هؤلاء قسطهم للعُلا على أكمل وجه، في خدمة المجلس وإبرازه في المجتمع الثقافي اللبناني.

إن شخصية فذّة كشخصية الدكتور الراحل إبراهيم بيضون قلّما يجود بها الزمان؛ فهي شخصية متكاملة الأركان، بما امتلكته من علم جزيل، وشغف بالمعرفة، وثقافة واسعة، وأخلاق سامية، وصداقة شائقة، وهمّة عالية، وأدب في الحضور، وإتقان في الإنجاز، وبذل بلا حساب.

ومهما تكلّم الأقران بحقه، يظل هناك شعور داخلي لدى كل من عرفه عن كثب بأن ثمة شيئًا ناقصًا لم يستطيعوا سبر غوره في شخصيته كي يظهروه إلى العلن.

رحم المولى تعالى الأديب الراحل، فقد حفر اسمه بأحرف من ذهب في سجل خالدي جبل عامل الأشم.

مقالات الكاتب

أحمد مالك عبدالله

ناشط إعلامي وباحث في تدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل.