الكويت بلد عزيز على قلوب اللبنانيين، والكويتيون يعشقون لبنان. الكويت مصدر خير لكثير من اللبنانيين والعرب، حيث يعملون وأحيانًا يعيشون فيها سنين طويلة. الكويت بلد منفتح، ليبرالي، ديمقراطي… إلى هذا الحد أو ذاك.
هذه المقدّمة هي لتبرير اقتراحي تعديل قانون المجاهرة بالإفطار الكويتي. ما كنتُ لأضع هذا الاقتراح لبلد غير الكويت، من معشر البلدان المتزمّتة دينيًا، مثل أفغانستان، حيث لا حول ولا قوة. أمّا الكويت فهو بلد مزدهر وحضاري، بلد يطمح إلى التغيير.
عملتُ سنتين في هذا البلد، وأحببتُ انفتاحه وشعبه ومثقفيه وأساتذته. شهر رمضان صعب جدًا، ولا سيما في ظل قانون المجاهرة بالإفطار، ولا سيما بالنسبة إلى غير المسلمين أو المسلمين غير المتدينين. خلال شهر كامل، يُسمَّر الناس في بيوتهم: لا مقاهي ولا مطاعم، كل شيء مقفل طيلة النهار. ما هذا؟! ونحن في القرن الحادي والعشرين، عصر الإنترنت و«تشات جي بي تي»! ولماذا يُفرض هذا على غير الصائمين؟
دفعني هذا الأمر إلى صياغة اقتراح تعديل لقانون المجاهرة بالإفطار الكويتي، وهو قانون، بكل صراحة، معيب. لا أحب المجاملة. نصحني الزملاء الأساتذة بعدم نشر هذا الاقتراح، فهم يتوجّسون ويخافون حتى من مجرّد نشر اقتراح تعديل هذا القانون.
لا يا كويت… هيا إلى الأمام. والمطلوب أكثر من هذا بكثير. المطلوب السير بركب الحضارة والتطوّر واحترام حرية التعبير. محمد بن سلمان يخطو خطوات مذهلة… إلى الأمام يا كويت الحبيبة.
أدناه نص التعديل المقترح:
جانب رئيس مجلس الأمة الكويتي الموقر،
اقتراح إلغاء القانون رقم 44 لسنة 1968 في شأن المجاهرة بالإفطار في رمضان
ينص هذا القانون المطالب بإلغائه في مادته الأولى على ما يلي:
المادة الأولى
يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائة دينار، وبالحبس مدة لا تجاوز شهرًا، أو بإحدى هاتين العقوبتين:
- كل من جاهر في مكان عام بالإفطار في نهار رمضان.
- كل من أجبر أو حرّض أو ساعد على تلك المجاهرة،
مع جواز إضافة عقوبة غلق المحل العام الذي يُستخدم لهذا الغرض لمدة لا تجاوز شهرين.
نقدّم هذا الاقتراح برسم السلطات السياسية الكويتية التي تملك الحق في تقديم اقتراح قانون أو مشروع قانون.
مادة وحيدة:
يُلغى القانون رقم 44 لسنة 1968 في شأن المجاهرة بالإفطار في رمضان.
يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
الأسباب الموجبة
لمّا كان دستور الكويت يضمن حرية الاعتقاد في المادة رقم 35: «حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقًا للعادات المرعية، على ألا يخلّ ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب».
ولمّا كان دستور الكويت يضمن المساواة بين الأفراد في المادة رقم 29: «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين».
ولمّا كانت دولة الكويت تؤكّد في المحافل الدولية احترامها لحقوق الإنسان، مؤكدة دومًا أن تعزيز وحماية حقوق الإنسان هو خيار استراتيجي للكويت، وأن منهجها في مسائل حقوق الإنسان هو منهج متكامل وشامل، يشمل أيضًا القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولمّا كانت اتفاقية العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد أضحت جزءًا لا يتجزأ من المنظومة التشريعية والقضائية الوطنية الكويتية، وذلك إعمالًا لنص المادة 70 من الدستور الكويتي التي تجعل من الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها الدولة جزءًا لا يتجزأ من التشريعات الوطنية الكويتية (للمعاهدة قوة القانون).
ولمّا كانت دولة الكويت تشدّد على حرصها على الاستفادة من الجهود الرامية إلى تأصيل قيم حقوق الإنسان على أرض الواقع، وإعمال كل الملاحظات التي تقدّمها لجنة حقوق الإنسان وأفضل الممارسات الدولية.
ولمّا كانت دولة الكويت تتميّز بحرصها على اتباع استراتيجية مستمرة قائمة على تحديث وتطوير قوانينها، ما دفعها، على سبيل المثال، إلى سحب التحفّظ المتعلق باقتصار الحق في الانتخاب على الذكور.
ولمّا كانت دولة الكويت قد أصدرت القانون رقم 67 لعام 2015 الخاص بإنشاء الديوان الوطني لحقوق الإنسان، ليشكّل كيانًا مستقلًا يهدف إلى تعزيز وحماية حقوق الإنسان.
ولمّا كانت دولة الكويت قد أنشأت مكتبًا لحقوق الإنسان في وزارة الخارجية ليكون بمثابة حلقة وصل بين المنظمات الدولية ومؤسسات الدولة، إلى جانب تعزيز الجهود الوطنية في هذا الصدد (القرار الوزاري رقم 55 لسنة 2015).
ولمّا كان مشروع التعديل هذا لا يكتسب أي صفة استثنائية، بل يندرج ضمن مسار تطوّري في الكويت، حيث كثرت بصورة ملحوظة القوانين الجديدة التي تصب جميعها في صون حقوق الأفراد وتعزيز حقوق الإنسان، ونذكر على سبيل المثال: القانون رقم 42 لسنة 2014 بشأن البيئة، والقانون رقم 21 لسنة 2015 في شأن حقوق الطفل، والقانون رقم 68 لسنة 2015 بشأن العمالة المنزلية.
ولمّا كانت دولة الكويت تتميّز بجو الحرية الإعلامية الفريدة والتنوّع الثقافي المشهود له في المنطقة (117 جمعية نفع عام، حوالى 30 مطبوعة، 15 قناة تلفزيونية…) ما يجعل من الكويت دولة من بين الدول العربية الأولى لناحية احترام الحريات الفردية والجماعية، وبخاصة الحرية الإعلامية.
ولمّا كان المبدأ السائد في الكويت هو «كل ما ليس محرّمًا فهو مباح»، وهو مبدأ أكثر تطوّرًا من المبدأ المعاكس «كل ما ليس مباحًا فهو محرّم»، ولمّا كان هذا المبدأ يتّفق مع الشريعة الإسلامية حيث تسود قاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة». ولا يفرّق الإسلام في التعامل الحسن: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
ولمّا كان قانون المجاهرة بالإفطار يؤدّي إلى معاملة غير حسنة لغير الصائمين (مسلمين أو، بخاصة، غير مسلمين)، عبر فرض إقفال جميع المطاعم والمقاهي في كل أنحاء الكويت، ما يوازي، إلى هذا الحد أو ذاك، فرض البقاء في المنازل على شريحة واسعة من الناس طوال النهار.
ولمّا كان هذا يشكّل، بما لا شك فيه، انتهاكًا لحقوق هؤلاء وحرياتهم الأساسية، وبالتالي نقضًا للمواثيق الدولية التي أبرمتها دولة الكويت.
ولمّا كان إلغاء قانون المجاهرة في الكويت لا يمنع إصدار لوائح إدارية تنظّم وتعاقب المجاهرة بالإفطار في الحالات التي ينطبق عليها فعلًا معنى المجاهرة، كحظر إقامة الولائم العلنية خلال النهارات الرمضانية، أو الموسيقى الصاخبة، وغيرها… فإن ما يهم هو السماح بفتح المحال والمطاعم والمقاهي (أو أقله بعضها)، لأن الإقفال والمنع المطلق من تناول الشراب والطعام خلال شهر رمضان هو أمر غير دستوري. فثمة قاعدة أساسية وبديهية تُدرّس في كليات الحقوق مفادها أن السلطات العليا لا يحق لها تقييد الحريات الأساسية بصورة عامة ومطلقة.
ولمّا كان، أيضًا وأيضًا، من المعلوم أن الدولة، في مجال تنظيمها للحقوق والحريات، عليها ألا تتجاوز حدودًا معروفة في القانون الدستوري الكويتي، وهي: عدم مصادرة الحق أو الحرية، وعدم الانتقاص من الحق أو الحرية. وتقتضي حرية الاعتقاد عدم حظر ممارسة حق أو حرية أساسية، مثل تناول القهوة أو الطعام في أماكن عامة، لأن السماح بذلك حصرًا في المنازل هو تقييد قصوي لهذا الحق ولهذه الحرية.
لكل هذه الأسباب، وللأسباب الأكثر حكمة ودراية التي تراها السلطات الحاكمة في دولة الكويت، وإذ أستميح عذر من يخالفني، أتشرف بأن أتقدّم ممّن يحق له اقتراح إلغاء قانون المجاهرة بالإفطار، عبر اقتراح نيابي أو مشروع قانون تتقدّم به الحكومة.

جورج سعد
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
