من المؤسف، وبعد طول انتظار للقول، ووفقًا لمعطيات دستورية وحقوقية وبحثية، الاستنتاج أنّ الحياة السياسية في لبنان، ماضيًا وحاضرًا وربما مستقبلًا، لا يحكمها مفهوم الحق والسيادة، ولا الديمقراطية، ولا مفهوم الأخلاق والمبادئ والمُثُل العليا. إنّ الحياة السياسية في الجمهورية اللبنانية يحكمها منطق البطش، والكذب، والتزوير، والدكتاتورية، والضعف، والارتهان الأعمى، والعمالة، والغباء السياسي، ومبدئية «الدعارة السياسية»، والتكيّف مع الأمر الواقع، والغباء الفكري. وعذرًا على هذا التوصيف، لكن الكيل قد طفح.
إنّ الحق في الجمهورية اللبنانية لا بدّ أن يُؤخذ بالقوة و«الصلبطة»، حيث إنّ الحقوق السياسية للشعب اللبناني ضائعة، وتعاني حرمانًا من القدرة على المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة. وهذا ما يحصل عند كل استحقاق انتخابي، حيث يتم تزوير الإرادة الشعبية.
في القانون، يُعدّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من الحقوق المكتسبة، ويمكن القول إن مجموعة هذه الحقوق قد تم اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966، وتُعتبر جزءًا من الأنظمة الديمقراطية، كما تُشكّل الركيزة الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُعدّ العهد الدولي مكوّنًا رئيسيًا من مكوّنات الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتي تمثّلت بالعهدين الدوليين لحقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
من يحكم الحياة السياسية في لبنان؟ الزعامات السياسية العلمانية، والزعامات الروحية المسيحية والمسلمة، أم مجموعة أنظمة غريبة تتدخّل في شؤون الدولة اللبنانية؟ والأرجح أنّ من يحكم لبنان هو أنظمة إقليمية غريبة دكتاتورية، وطبقة سياسية فاسدة ومُفسِدة. ومن الطبيعي، وفق هذه المعطيات، أن تُصبح حقوق الشعب اللبناني مهدورة، بعدما أُهملت حقوقه الأساسية كشعب، مثل الحق في الحياة، والحرية، والكرامة، وغياب العدالة، وحق الشعب في تقرير مصيره.
من يحكم الحياة السياسية في لبنان؟ إنها طبقة سياسية تتصف بالعمالة والدكتاتورية، وهي نوع من مزيج ساسة يستأثرون بالحكم وبالسلطة المطلقة، أي إنهم، بصريح العبارة، يهيمنون ويسيطرون على جميع مفاصل الدولة، فيما تُقمع الديمقراطية عبر قوانين انتخابية تُراعي مصالح هؤلاء تجّار السياسة. ولهذه الأسباب وغيرها، نراهم وُجدوا في السلطة جرّاء ظروف غير طبيعية تواجه الدولة والمؤسسات والشعب، ومن الطبيعي أن يتخلّصوا من أي قوة معارضة بكل السبل المتاحة.
من يحكم الحياة السياسية في لبنان؟ إنه الفساد والعمالة، والطبقة السياسية الحاكمة أشبه بأفعى خطيرة، وإن لم تأتِ مجموعة فكرية متحرّرة لتقطع رأس هذه الأفعى الشريرة، فستبقى مسيطرة على كل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية. كما أنّ على هذه المجموعة أن تُدحرج كل الساسة (كلّن يعني كلّن) العملاء المموّلين من تعب الشعب، حيث بات من الأفضل إحالتهم إلى القضاء للنظر في حجم ارتكاباتهم، وإخضاعهم للأحكام التي تتناسب مع أفعالهم الجرمية.
إننا، باسم المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)، ندعو إلى السير على طريق تطوير الفكر السياسي الحرّ الديمقراطي، وتمكين الشرفاء والنزهاء والأكفّاء من المشاركة في الحياة السياسية، عن طريق إجراء «تعديل وزاري طارئ» لإزاحة الفساد عن الحياة السياسية اللبنانية، المتمثّل ببعض المشاركين في النظام، بحيث تصبح الحكومة أكثر قوة، وأكثر قدرة على تنفيذ الإصلاحات السياسية والأمنية والمالية والقضائية والدبلوماسية، لإنقاذ الدولة بمؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية، والتحرّر من هيمنة الميليشيا وداعميها، وبالتالي إقامة الدولة العادلة.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
