هل من الضروري أن تبقى الساحة اللبنانية مرتعاً لتبادل الرسائل القاتلة؟ وماذا عن التفاوض؟

إنّ المرحلة الراهنة التي تمرّ بها الجمهورية اللبنانية تُعدّ من أدقّ المراحل وأخطرها التي عرفتها منذ نشأتها، ولا سيّما منذ تلك المرحلة التي بُنيت، على أنقاضها، وثيقة الوفاق الوطني، بمساهمة اللجنة الثلاثية العربية، والملك فهد بن عبد العزيز، والأمير سعود الفيصل، والرئيس رفيق الحريري، والأخضر الإبراهيمي. وبناءً على هذه الوثيقة، أُدخلت تعديلات جديدة على الدستور الصادر عام 1926.

والملاحظ، استناداً إلى فقهاء الدستور، أنّ قسماً كبيراً من أحكام هذه الوثيقة لم يُفرد له مكان في الدستور ولا في مقدمته، كما أنّ العديد من بنودها لم يدخل حيّز التنفيذ، وهذا الأمر، بحدّ ذاته، يُعدّ تقويضاً لطبيعة هذه الوثيقة ومضمونها وأهدافها.

حالياً، وفي ظلّ التحوّلات المحلية والإقليمية والدولية العميقة التي تشهدها المنطقة، قد لا يكون النظام السياسي اللبناني متموضعاً في عين العاصفة مباشرة، غير أنّه، مثل كل الأنظمة الجيوسياسية، ليس بمعزل عن تداعيات تلك التحوّلات، أياً تكن مآلاتها.

ولفهم هذه التداعيات المحتملة، أو تلك التي ستظهر تباعاً، يتعيّن على مراكز الأبحاث المحلية الانطلاق من ركيزتين أساسيتين، من الضروري، بل من الملزم، قراءتهما في الواقع اللبناني:

  1. بكل أسف، عدم توافر شروط السيادة الوطنية بمختلف مكوّناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي الشروط التي من شأنها أن تُحيّد أي إمكانية للتدخّل في القرار السيادي الوطني.
  2. على عكس الأساليب الاستراتيجية التي تُعتمد في الدول وفي مراكز القرار الإقليمي والدولي، لم يعد لبنان أولوية بالنسبة إلى هذه المراكز، ما يعني أنّ القوى العربية والقوى العالمية لا تولي، في المرحلة الراهنة، اهتماماً جدياً بطبيعة الوضع اللبناني وشرعيته، فيما هذه الشرعية باتت على المحك. ويبدو النظام اللبناني عاجزاً عن ضبط الأمور، وعن حماية ما يهدّد مصالحه ومصالح الدولة والشعب في المديين المنظور والبعيد.

لقد تحوّلت الجمهورية اللبنانية، عملياً وفعلياً، إلى ساحة قتال بالإنابة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ممثّلة بضباط الحرس الثوري الوافدين إلى لبنان بـ”جوازات سفر مزوّرة”، وبمشاركة ميليشيا حزب الله، من جهة، ودولة إسرائيل وبعض الدول الغربية، من جهة أخرى. علماً أنّ إيران، في المرحلة الراهنة، تستخدم دولاً أخرى، باحثة عن ساحات تُمكّنها من التفاوض بالنار عبر أذرعها والدول الرهينة لها.

وقد بلغت هذه المنظومة، التي تعتمدها إيران، مرحلة أكثر خطورة، إذ باتت الأرض اللبنانية أداة ضغط ميداني وعسكري واقتصادي، بما جعل الوضع العام في البلاد رهينة إيقاع التصعيد الإيراني الخطير.

لقد باتت الجمهورية اللبنانية رهينة في يد إيران وحزب الله، وتحوّلت الأحوال إلى منحى شديد الخطورة، فيما تتعرّض الجمهورية لحافة الانفجار. فإسرائيل بلغت الليطاني وتوغّلت أكثر عمقاً في البلدات الجنوبية، ناهيك عن النزوح والتدمير والقتلى، في حين يبدو النظام السياسي عاجزاً بالكامل عن ضبط الأمور، ولا سيّما لجهة قرار الحرب والسلم. وبصريح العبارة، هناك نظام سياسي ضعيف يحاول النأي بالنفس، في مقابل ميليشيا مسلّحة تدفعه إلى صلب المواجهة.

يعتبر المنطق العسكري أنّ ديمومة الحرب هي استنزاف مستمر ومكلف، تتجاوز خسائره الأضرار العسكرية المباشرة التي تطال عناصر ميليشيا حزب الله والأهالي. وفعلياً، امتدّت التكلفة الباهظة للحرب لتشمل انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع النمو الاقتصادي والمالي، وتضخّم الديون، إلى جانب أعداد كبيرة من القتلى والجرحى والضحايا والمهجّرين.

فهل يُدرك المسؤولون اللبنانيون الحاليون، من رؤساء ونواب ووزراء وأحزاب ورجال دين مسيحيين ومسلمين، أنّ خسائر الحرب الحالية تُقدّر بنحو 160 مليون دولار في اليوم؟!

إنّ كلفة الحرب، بآثارها وضحاياها، باهظة جداً، وقد شمل تأثيرها الارتدادي مختلف النواحي المجتمعية والاقتصادية والمالية. لذلك، بات الأمر يتطلّب تفكيراً سياسياً عقلانياً يعتمد على المنطق والتحليل والتفاوض، ويهدف إلى إدارة الأزمة وفهم ظواهرها السياسية وأهدافها، انطلاقاً من مصلحة عامة وطنية واقعية تتجاوز كل المصالح الخاصة والإيديولوجيات الجامدة. وتتمثّل ركائز هذا التفكير السياسي العقلاني في الواقعية السياسية المبنية على مبدأ التفاوض.

إنّ التفاوض عملية معقّدة تتداخل فيها عوامل مركّبة. وهو، بالنسبة إلينا كمركز أبحاث PEAC، وسيلة لخدمة هدف أساسي، ألا وهو الحفاظ على المصالح العليا للشعب اللبناني والدولة اللبنانية في مواجهة التدخّل الإيراني، وفي وجه الأخطار التي تتأتّى من هذا التدخّل.

وبالتالي، فإنّ عملية التفاوض تهدف إلى المحافظة على مصالح الجمهورية اللبنانية والشعب اللبناني، وعلى سيادة القرار اللبناني، بما يضمن استقلاله وسيادته المطلقة، وبما يتيح تثبيت ذلك في مواجهة كلٍّ من إيران وإسرائيل.

إنّ التفاوض، في حقيقته، هو وسيلة من وسائل السياسة الصادقة والسليمة، وإنّ قيمة التفاوض ترتبط بمضمون المطالب التي توجّهه، والتي يسعى إلى تحقيقها ضمن إطار القانون الدولي العام.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC